طلحة الدهلوي
04-05-2007, 12:39 AM
هل نحسن فعل الخير في شهر الخير؟
د. هاشم بن عبد الله الصالح
يكفي شهر رمضان من العظمة والتكريم أن فيه ليلة تعدل العمر كله, ليلة أنزل فيها القرآن على قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) ليشع بعد ذلك كلمات ونوراً من فم رسول الله لتنير للإنسان طريقه وللبشرية مسارها. لقد أراد الله سبحانه وتعالى من هذا الشهر الكريم أن يكون فرصة لمن يريد أن يتوب ويجدد العهد مع الله, فرصة لمن يبحث عن بداية جديدة في الطريق إلى الله, فرصة لمن يريد أن يقتلع نفسه من مسارات الظلال ومساحات الباطل ودوائر الشهوة وسلطان النفس الأمارة بالسوء ليرتقي ببركة هذا الشهر وما يتنزل فيه من رحمة وبركة ومغفرة ورضوان بروحه ومشاعره وأحاسيسه وفكره وعواطفه إلى حيث السلام والأمان والاطمئنان, ألا بذكر الله تطمئن القلوب. إن هذا الشهر العظيم وهو شهر الله يمتاز عن غيره من الشهور بأنه شهر الخير والعطاء والإحسان, فيه نحس بجوع الفقير وحاجة المحتاج, وفيه نبحث عن الخير لنعمله ونأخذ به وعن الشر لنقتلعه أو نطمسه. الكثير منا ينتظر هذا الشهر الكريم بلهفة وشوق ليضاعف ما في حسابه عند الله من الخيرات والأعمال الصالحة ولكن من يربح هم الصائمون ومن يفوز هم القائمون ومن ينجو هم المخلصون وأما من يخسر فهم المقصرون ومن يخيب فهم الذين لا يعرفون كيف يتاجرون مع الله سبحانه وتعالى. إننا نجد ونجتهد ونخصص سنوات طويلة من عمرنا لنتعلم كيف نتاجر بأمور الدنيا ونستكثر على أنفسنا أن نخصص ولو جزءا يسيرا من حياتنا وقدرا بسيطا من جهودنا لنتعلم كيف نرتقي بأنفسنا ونطور من قدراتنا النفسية والروحية لنحظى ببركة ما عند الله من الخير الكثير في هذا الشهر الكريم وفي غيره من الشهور. إن الإنسان بطبيعته تواق إلى فعل الخير ولكن هذا التعلق الفطري وهذا الارتباط الإنساني بالخير قد يجد من يوظفه لمصالح أخرى هي أبعد ما تكون عن فعل الخير وأما السبب وراء ذلك فهو نحن, نحن ببساطتنا وطيبتنا التي تنخدع بالشكل والمظهر والكلمات المنمقة والمشاعر المصطنعة. نحن أمة حقا تحب الخير, ونحن حقا من يريد فعل الخير ولكن المشكلة أننا لا نريد أن نؤسس في أنفسنا وفي مجتمعاتنا ما هو مطلوب لفعل الخير. إن النيات الصادقة وحدها لا تكفي وأن الجهود الفردية والمبعثرة والمبنية على الميول والرغبات والاجتهادات الشخصية هي بالتأكيد ضارة وغير مجدية لإنجاز فعل الخير الذي يعود بالخير على أنفسنا ومجتمعاتنا. إن الإنسان وبعد رحلة طويلة وشاقة استطاع فيها أن يستثمر ما في الأرض والبحار والأنهار والجبال والهواء من كنوز ونعم وإمكانات. وبالتأكيد هناك ما هو أكثر وأكثر, ولكن إنسان اليوم بعلمه وفكره وعقله أدار وجهته ووجه جهوده إلى داخل ذاته لأنه اكتشف أن في داخله ما هو أغلى وأثمن وأكثر مما هو تحت الأرض أو ما في بطون البحار والجبال. وجد أن نفس الإنسان وعقله وروحه وإرادته هي فعلا طاقات لا تنضب وقدرات متجددة لا تعجز عن فعل كل ما أراد الله لها من خير على هذه الأرض. هناك من يرى أن في حب الخير عند الإنسان طاقة تكفي لتجاوز كل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الإنسان في عصرنا الحاضر وطالما لم تستثمر هذه الطاقة الخيرة بالشكل المطلوب فستبقى الإنسانية تعاني المزيد من تلك المشكلات. ونحن المسلمون لدينا فرصة عظيمة في هذا الشهر الكريم لتفعيل حب الخير الموجود في نفوسنا ولا نحقق المرجو من هذا التفعيل إلا بالاكتساب الجيد لمهارات العمل الصالح, فهل نستثمر صومنا وقيامنا وقربنا من القرآن وقرائتنا له وسماعنا لآياته في شهر الله لكي نتعلم وندرب أنفسنا كيف نجيد ونحسن فعل الخير والقيام بالأعمال الصالحة التي ترتقي بواقعنا ونعالج بها مشاكلنا وأزماتنا ونقوي بها عزائمنا ونؤكد بها ثقتنا بأنفسنا. إننا بحاجة للعديد من المهارات النفسية والروحية والسلوكية التي تعيننا على ممارسة العمل الصالح وتضمن لنا بعد التوفيق من الله أن تكون لهذه الأعمال الصالحة الخير الذي يصلح حالنا ويغير من واقعنا. دعونا في النقاط التالية نستعرض جملة من هذه المهارات المطلوبة لفعل الخير وليكن شهر رمضان هو المدرسة التي سنتعلم فيها مثل هذه المهارات:
1- الإخلاص في العمل: علينا أولا أن نعرف أن الإخلاص في العمل هو حب الخير لذاته وهذا الحب للخير موجود كجزء من طبيعة الإنسان وفريضة الصوم من حيث الامتناع عن الأكل والشرب والجنس وغيرها في السر والعلن هي خير فرصة للإنسان لتقوية مهارة الإخلاص عنده. كلما كان هناك إخلاص في العمل الصالح كلما كان هذا العمل أكثر بركة وأكثر حظا ونصيبا من النجاح والتوفيق. إننا مع الأسف نجد الكثير منا ـ وبالأخص من تجارنا وأغنيائنا ـ من لا يهتمون ولا يبادرون إلى القيام بأعمال الخير إن لم يصاحبها ذكر لهم وإشادة بأعمالهم ولو أن هذه الأمور هي مطلوبة من باب الشكر لهؤلاء وحث الآخرين على الاقتداء بهم ولكن لا يجب أن تكون معرفة الناس هذه الأعمال هي الدافع والمحرك لمن يقوم بها. إن على الإنسان أن يخلص في أدائه أعمال الخير لأن في ذلك مدعاة للبركة والتوفيق وأن على هذا الإنسان أن يجتهد في إخفاء هذا العمل وسيكون الله هو الكفيل بإظهار مثل هذا الخير والعمل الصالح لصاحبه ولو بعد حين.
2- الميزان هو منفعة الآخرين: إن الإنسان المسلم مطالب بأن يبحث عن الخشية في صومه وصلاته وسائر عباداته وأن يبحث ويهتم بمنفعة الآخرين في أعماله الصالحة والأخير هو ما نفتقده كثيرا في مجمل أعمالنا الخيرة. إن اختيار العمل الذي فيه منفعة للآخرين بحاجة إلى معرفة وحس ومهارة تمكننا من التعرف على حاجات الناس وكذلك مهارة وقدرة على جعل هذا العمل الصالح والخير منصبا كله لصالح حاجات الناس. هناك الكثير من الأعمال التي نقوم بها على أنها من الصالحات والأعمال الخيرة ولكن عندما ندقق فيها ونضعها في الميزان نكتشف أن مردودها بالخير على الناس قليل وأن أثرها في تغيير واقعهم نحو الأحسن محدود جدا. ومشكلتنا في تحديد المنفعة المرجوة من العمل الصالح هي إننا نهتم كثيرا بالمنفعة الظاهرة والشكلية والملموسة في وقتها ونغفل عن قيمة المنافع غير المباشرة والتي ربما هي اكبر حجما وأعظم أثرا وإن كانت هذه الأعمال بحاجة إلى صبر وتأني وانتظار لتخرج لنا منافعها وخيراتها. كلنا يعرف إن مشكلة الفقر في المملكة باتت تشكل تحديا لنا جميعا وكلنا يعرف أن القضاء على هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم فقط بتقديم المساعدات لهؤلاء الفقراء لأن البطالة والسعودة والتعليم والصحة والتنمية العادلة للمناطق كلها لها دور في معالجة هذه الظاهرة. ولكن كم من تجارنا ورجال أعمالنا وأغنيائنا من يدرك هذه الحقيقة وكم منهم من يضع في حسابه أنه عندما يبذل ويجتهد في تدريب أبناء الوطن فإنه في ذلك يفعل خيرا ويحسن صنعا بنفسه ووطنه لأنه بعمله هذا قد يسهم في معالجة ظاهرة الفقر. إننا نسمع ضجيجا وصراخا وبكاء من قبل رجال الأعمال كلما دعوناهم إلى الاهتمام بتدريب وتشغيل أبنائنا وبناتنا وأن يعدلوا في معاملتهم لهم وألا ينفروهم من أعمالهم وهذا البكاء والصراخ لهو خير دليل على أنهم لا يشعرون أنهم إن قاموا بذلك, فإنهم يعملون خيرا وأن عملهم هذا هو أنفع وأصلح لهم من الكثير من الأعمال الأخرى التي يقومون بها. وبارك الله بالذين أدركوا هذا الأمر وبادروا بمشاريع تجارية وصناعية كان الهدف منها هو تشغيل العاطل من الشباب وتدريب وإعداد الكوادر الوطنية لتقوم بدورها في بناء الوطن. ولعل المشاريع المتميزة التي تقوم بها شركة عبد اللطيف جميل هي خير مثال لمن يريد أن يتلمس نماذج طيبة لمثل هذه الأعمال.
3- تحديد الأوليات: إذا كنا قد اتفقنا على أن عمل الخير مرتبط بمقدار ما فيه من منفعة, فإن الأعمال التي تسد أكثر حاجات الناس إلحاحا هي بالتالي تكون الأكثر خيرا وإصلاحا وهذا يتطلب منا أن نوجه الأعمال الخيرة التي ننوي القيام بها للحاجات الأكثر ضرورة وهنا ينكشف ضعفنا وقلة درايتنا. نرى الكثير منا وبرغبة صادقة لفعل الخير وبنية مخلصة لله, يقوم بالتبرع بأموال ومساهمات لمؤسسات ومنظمات خيرية لبناء مدارس ومستوصفات في مناطق كثيرة في العالم ولا يلتفت إلى أن المنطقة التي يعيش فيها قد تكون هي أيضا بحاجة إلى مدرسة أو مستوصف, فذاك بلا شك عمل خير ولكن القيام بعمل يخدم منطقته أو بلده هو بالتأكيد أولى من ذلك العمل. أيضا نجد إننا من السهل أن نتبرع لبناء مسجد بجوار مسجد على أن نتبرع لدعم مشاريع بحثية في جامعاتنا أو حتى بناء حمامات عامة نظيفة وجيدة داخل مدننا أو على الطرق السريعة لأننا ببساطة لا نرى هذه الأعمال على أنها أعمال خير وصلاح.
4- الأعمال الجماعية: الكثير من مشكلاتنا وأزماتنا والتحديات التي نواجهها لم تعد الجهود الفردية قادرة على حلها بما فيها الدولة نفسها وعليه يتحقق القدر الأكبر من الخير في أعمالنا الصالحة إذا أتقنا العمل الجماعي والمؤسساتي في ممارستنا للعمل الصالح. فالريال الواحد والعشرة ريالات قد لا تنجز عملا ملموسا, ولكن هذه الريالات القليلة تتحول إلى قوة فاعلة عندما تصبح جزءا من مجهود مادي وبشري متكامل. وليس بالضرورة أن يكون هذا العمل الجماعي ضمن مؤسسات كبيرة وضخمة ولكن قد يكون الأمر ضمن نطاق أصغر ويتلمس الحاجات والمنافع في دائرة أصغر. وتبقى نقطة ضعفنا في الأعمال الجماعية والمؤسساتية التي تمارس العمل الخيري هي الشفافية والوضوح لأن هذا يؤثر بشكل كبير في ثقة الفرد بها وبالتالي يضعف توجه الناس إليها. إن علينا أن نستفيد من شهر رمضان الذي يولي للاجتماع أهمية من خلال ما يحث عليه من طقوس وعبادات تتسم بروح الجماعة وهذه فرصة لنا لكي نكرس مبدأ الجماعة في ممارستنا العمل الخيري بشرط أن نحرص على مبدأ الشفافية والوضوح.
5- البعد الإنساني: من الضروري أن نعمق الجانب الإنساني في العمل الخيري وذلك من خلال الارتقاء به وعدم جعله خاضعا لأطر ومحددات ضيقة. إن أنسنة العمل الخيري هي مهارة تتطلب منا ثقافة المحبة والتسامح والتواصل مع الآخرين وألا نجعل المغايرة والاختلاف مع ذلك الآخر مبررا لعدم التواصل معهم بالخير وهذه القيم السامية هي من الدروس العظيمة التي نتعلمها في مدرسة القرآن والصيام في شهر رمضان المبارك.
أخيرا نحن المسلمين نعتبر خير أمة أخرجت للناس لأنها تشرفت بحمل رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء والمرسلين ونشرها، وبالتالي فمن الطبيعي أن ينتج من هذه الأمة الخيرة الكثير من الأعمال الخيرة والصالحة وأن تكون للمسلم الريادة في ممارسة العمل الخيري وتطويره. ولكن ما نراه من واقع متخلف يعيشه المسلمون وما تعيشه هذه المجتمعات من مشكلات وأزمات تجعلنا ندرك حقيقة مهمة وهي أننا لا نجيد فن ممارسة العمل الخيري الذي لو أجدناه وأتقنا ممارسته لكنا في أفضل حال. إننا نعيش بركات أيام وليالي هذا الشهر العظيم وعلينا أن نستثمر هذه الفرصة لندرب أنفسنا مستفيدين بما يحمله من مضامين سامية لكي نعزز ونفعل قيمة العمل الخيري في حياتنا.
صحيفة الاقتصادية الالكترونية
الأربعاء, 17 ربيع أول 1428 هـ الموافق 04/04/2007 م - العدد 4923
د. هاشم بن عبد الله الصالح
يكفي شهر رمضان من العظمة والتكريم أن فيه ليلة تعدل العمر كله, ليلة أنزل فيها القرآن على قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) ليشع بعد ذلك كلمات ونوراً من فم رسول الله لتنير للإنسان طريقه وللبشرية مسارها. لقد أراد الله سبحانه وتعالى من هذا الشهر الكريم أن يكون فرصة لمن يريد أن يتوب ويجدد العهد مع الله, فرصة لمن يبحث عن بداية جديدة في الطريق إلى الله, فرصة لمن يريد أن يقتلع نفسه من مسارات الظلال ومساحات الباطل ودوائر الشهوة وسلطان النفس الأمارة بالسوء ليرتقي ببركة هذا الشهر وما يتنزل فيه من رحمة وبركة ومغفرة ورضوان بروحه ومشاعره وأحاسيسه وفكره وعواطفه إلى حيث السلام والأمان والاطمئنان, ألا بذكر الله تطمئن القلوب. إن هذا الشهر العظيم وهو شهر الله يمتاز عن غيره من الشهور بأنه شهر الخير والعطاء والإحسان, فيه نحس بجوع الفقير وحاجة المحتاج, وفيه نبحث عن الخير لنعمله ونأخذ به وعن الشر لنقتلعه أو نطمسه. الكثير منا ينتظر هذا الشهر الكريم بلهفة وشوق ليضاعف ما في حسابه عند الله من الخيرات والأعمال الصالحة ولكن من يربح هم الصائمون ومن يفوز هم القائمون ومن ينجو هم المخلصون وأما من يخسر فهم المقصرون ومن يخيب فهم الذين لا يعرفون كيف يتاجرون مع الله سبحانه وتعالى. إننا نجد ونجتهد ونخصص سنوات طويلة من عمرنا لنتعلم كيف نتاجر بأمور الدنيا ونستكثر على أنفسنا أن نخصص ولو جزءا يسيرا من حياتنا وقدرا بسيطا من جهودنا لنتعلم كيف نرتقي بأنفسنا ونطور من قدراتنا النفسية والروحية لنحظى ببركة ما عند الله من الخير الكثير في هذا الشهر الكريم وفي غيره من الشهور. إن الإنسان بطبيعته تواق إلى فعل الخير ولكن هذا التعلق الفطري وهذا الارتباط الإنساني بالخير قد يجد من يوظفه لمصالح أخرى هي أبعد ما تكون عن فعل الخير وأما السبب وراء ذلك فهو نحن, نحن ببساطتنا وطيبتنا التي تنخدع بالشكل والمظهر والكلمات المنمقة والمشاعر المصطنعة. نحن أمة حقا تحب الخير, ونحن حقا من يريد فعل الخير ولكن المشكلة أننا لا نريد أن نؤسس في أنفسنا وفي مجتمعاتنا ما هو مطلوب لفعل الخير. إن النيات الصادقة وحدها لا تكفي وأن الجهود الفردية والمبعثرة والمبنية على الميول والرغبات والاجتهادات الشخصية هي بالتأكيد ضارة وغير مجدية لإنجاز فعل الخير الذي يعود بالخير على أنفسنا ومجتمعاتنا. إن الإنسان وبعد رحلة طويلة وشاقة استطاع فيها أن يستثمر ما في الأرض والبحار والأنهار والجبال والهواء من كنوز ونعم وإمكانات. وبالتأكيد هناك ما هو أكثر وأكثر, ولكن إنسان اليوم بعلمه وفكره وعقله أدار وجهته ووجه جهوده إلى داخل ذاته لأنه اكتشف أن في داخله ما هو أغلى وأثمن وأكثر مما هو تحت الأرض أو ما في بطون البحار والجبال. وجد أن نفس الإنسان وعقله وروحه وإرادته هي فعلا طاقات لا تنضب وقدرات متجددة لا تعجز عن فعل كل ما أراد الله لها من خير على هذه الأرض. هناك من يرى أن في حب الخير عند الإنسان طاقة تكفي لتجاوز كل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الإنسان في عصرنا الحاضر وطالما لم تستثمر هذه الطاقة الخيرة بالشكل المطلوب فستبقى الإنسانية تعاني المزيد من تلك المشكلات. ونحن المسلمون لدينا فرصة عظيمة في هذا الشهر الكريم لتفعيل حب الخير الموجود في نفوسنا ولا نحقق المرجو من هذا التفعيل إلا بالاكتساب الجيد لمهارات العمل الصالح, فهل نستثمر صومنا وقيامنا وقربنا من القرآن وقرائتنا له وسماعنا لآياته في شهر الله لكي نتعلم وندرب أنفسنا كيف نجيد ونحسن فعل الخير والقيام بالأعمال الصالحة التي ترتقي بواقعنا ونعالج بها مشاكلنا وأزماتنا ونقوي بها عزائمنا ونؤكد بها ثقتنا بأنفسنا. إننا بحاجة للعديد من المهارات النفسية والروحية والسلوكية التي تعيننا على ممارسة العمل الصالح وتضمن لنا بعد التوفيق من الله أن تكون لهذه الأعمال الصالحة الخير الذي يصلح حالنا ويغير من واقعنا. دعونا في النقاط التالية نستعرض جملة من هذه المهارات المطلوبة لفعل الخير وليكن شهر رمضان هو المدرسة التي سنتعلم فيها مثل هذه المهارات:
1- الإخلاص في العمل: علينا أولا أن نعرف أن الإخلاص في العمل هو حب الخير لذاته وهذا الحب للخير موجود كجزء من طبيعة الإنسان وفريضة الصوم من حيث الامتناع عن الأكل والشرب والجنس وغيرها في السر والعلن هي خير فرصة للإنسان لتقوية مهارة الإخلاص عنده. كلما كان هناك إخلاص في العمل الصالح كلما كان هذا العمل أكثر بركة وأكثر حظا ونصيبا من النجاح والتوفيق. إننا مع الأسف نجد الكثير منا ـ وبالأخص من تجارنا وأغنيائنا ـ من لا يهتمون ولا يبادرون إلى القيام بأعمال الخير إن لم يصاحبها ذكر لهم وإشادة بأعمالهم ولو أن هذه الأمور هي مطلوبة من باب الشكر لهؤلاء وحث الآخرين على الاقتداء بهم ولكن لا يجب أن تكون معرفة الناس هذه الأعمال هي الدافع والمحرك لمن يقوم بها. إن على الإنسان أن يخلص في أدائه أعمال الخير لأن في ذلك مدعاة للبركة والتوفيق وأن على هذا الإنسان أن يجتهد في إخفاء هذا العمل وسيكون الله هو الكفيل بإظهار مثل هذا الخير والعمل الصالح لصاحبه ولو بعد حين.
2- الميزان هو منفعة الآخرين: إن الإنسان المسلم مطالب بأن يبحث عن الخشية في صومه وصلاته وسائر عباداته وأن يبحث ويهتم بمنفعة الآخرين في أعماله الصالحة والأخير هو ما نفتقده كثيرا في مجمل أعمالنا الخيرة. إن اختيار العمل الذي فيه منفعة للآخرين بحاجة إلى معرفة وحس ومهارة تمكننا من التعرف على حاجات الناس وكذلك مهارة وقدرة على جعل هذا العمل الصالح والخير منصبا كله لصالح حاجات الناس. هناك الكثير من الأعمال التي نقوم بها على أنها من الصالحات والأعمال الخيرة ولكن عندما ندقق فيها ونضعها في الميزان نكتشف أن مردودها بالخير على الناس قليل وأن أثرها في تغيير واقعهم نحو الأحسن محدود جدا. ومشكلتنا في تحديد المنفعة المرجوة من العمل الصالح هي إننا نهتم كثيرا بالمنفعة الظاهرة والشكلية والملموسة في وقتها ونغفل عن قيمة المنافع غير المباشرة والتي ربما هي اكبر حجما وأعظم أثرا وإن كانت هذه الأعمال بحاجة إلى صبر وتأني وانتظار لتخرج لنا منافعها وخيراتها. كلنا يعرف إن مشكلة الفقر في المملكة باتت تشكل تحديا لنا جميعا وكلنا يعرف أن القضاء على هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم فقط بتقديم المساعدات لهؤلاء الفقراء لأن البطالة والسعودة والتعليم والصحة والتنمية العادلة للمناطق كلها لها دور في معالجة هذه الظاهرة. ولكن كم من تجارنا ورجال أعمالنا وأغنيائنا من يدرك هذه الحقيقة وكم منهم من يضع في حسابه أنه عندما يبذل ويجتهد في تدريب أبناء الوطن فإنه في ذلك يفعل خيرا ويحسن صنعا بنفسه ووطنه لأنه بعمله هذا قد يسهم في معالجة ظاهرة الفقر. إننا نسمع ضجيجا وصراخا وبكاء من قبل رجال الأعمال كلما دعوناهم إلى الاهتمام بتدريب وتشغيل أبنائنا وبناتنا وأن يعدلوا في معاملتهم لهم وألا ينفروهم من أعمالهم وهذا البكاء والصراخ لهو خير دليل على أنهم لا يشعرون أنهم إن قاموا بذلك, فإنهم يعملون خيرا وأن عملهم هذا هو أنفع وأصلح لهم من الكثير من الأعمال الأخرى التي يقومون بها. وبارك الله بالذين أدركوا هذا الأمر وبادروا بمشاريع تجارية وصناعية كان الهدف منها هو تشغيل العاطل من الشباب وتدريب وإعداد الكوادر الوطنية لتقوم بدورها في بناء الوطن. ولعل المشاريع المتميزة التي تقوم بها شركة عبد اللطيف جميل هي خير مثال لمن يريد أن يتلمس نماذج طيبة لمثل هذه الأعمال.
3- تحديد الأوليات: إذا كنا قد اتفقنا على أن عمل الخير مرتبط بمقدار ما فيه من منفعة, فإن الأعمال التي تسد أكثر حاجات الناس إلحاحا هي بالتالي تكون الأكثر خيرا وإصلاحا وهذا يتطلب منا أن نوجه الأعمال الخيرة التي ننوي القيام بها للحاجات الأكثر ضرورة وهنا ينكشف ضعفنا وقلة درايتنا. نرى الكثير منا وبرغبة صادقة لفعل الخير وبنية مخلصة لله, يقوم بالتبرع بأموال ومساهمات لمؤسسات ومنظمات خيرية لبناء مدارس ومستوصفات في مناطق كثيرة في العالم ولا يلتفت إلى أن المنطقة التي يعيش فيها قد تكون هي أيضا بحاجة إلى مدرسة أو مستوصف, فذاك بلا شك عمل خير ولكن القيام بعمل يخدم منطقته أو بلده هو بالتأكيد أولى من ذلك العمل. أيضا نجد إننا من السهل أن نتبرع لبناء مسجد بجوار مسجد على أن نتبرع لدعم مشاريع بحثية في جامعاتنا أو حتى بناء حمامات عامة نظيفة وجيدة داخل مدننا أو على الطرق السريعة لأننا ببساطة لا نرى هذه الأعمال على أنها أعمال خير وصلاح.
4- الأعمال الجماعية: الكثير من مشكلاتنا وأزماتنا والتحديات التي نواجهها لم تعد الجهود الفردية قادرة على حلها بما فيها الدولة نفسها وعليه يتحقق القدر الأكبر من الخير في أعمالنا الصالحة إذا أتقنا العمل الجماعي والمؤسساتي في ممارستنا للعمل الصالح. فالريال الواحد والعشرة ريالات قد لا تنجز عملا ملموسا, ولكن هذه الريالات القليلة تتحول إلى قوة فاعلة عندما تصبح جزءا من مجهود مادي وبشري متكامل. وليس بالضرورة أن يكون هذا العمل الجماعي ضمن مؤسسات كبيرة وضخمة ولكن قد يكون الأمر ضمن نطاق أصغر ويتلمس الحاجات والمنافع في دائرة أصغر. وتبقى نقطة ضعفنا في الأعمال الجماعية والمؤسساتية التي تمارس العمل الخيري هي الشفافية والوضوح لأن هذا يؤثر بشكل كبير في ثقة الفرد بها وبالتالي يضعف توجه الناس إليها. إن علينا أن نستفيد من شهر رمضان الذي يولي للاجتماع أهمية من خلال ما يحث عليه من طقوس وعبادات تتسم بروح الجماعة وهذه فرصة لنا لكي نكرس مبدأ الجماعة في ممارستنا العمل الخيري بشرط أن نحرص على مبدأ الشفافية والوضوح.
5- البعد الإنساني: من الضروري أن نعمق الجانب الإنساني في العمل الخيري وذلك من خلال الارتقاء به وعدم جعله خاضعا لأطر ومحددات ضيقة. إن أنسنة العمل الخيري هي مهارة تتطلب منا ثقافة المحبة والتسامح والتواصل مع الآخرين وألا نجعل المغايرة والاختلاف مع ذلك الآخر مبررا لعدم التواصل معهم بالخير وهذه القيم السامية هي من الدروس العظيمة التي نتعلمها في مدرسة القرآن والصيام في شهر رمضان المبارك.
أخيرا نحن المسلمين نعتبر خير أمة أخرجت للناس لأنها تشرفت بحمل رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء والمرسلين ونشرها، وبالتالي فمن الطبيعي أن ينتج من هذه الأمة الخيرة الكثير من الأعمال الخيرة والصالحة وأن تكون للمسلم الريادة في ممارسة العمل الخيري وتطويره. ولكن ما نراه من واقع متخلف يعيشه المسلمون وما تعيشه هذه المجتمعات من مشكلات وأزمات تجعلنا ندرك حقيقة مهمة وهي أننا لا نجيد فن ممارسة العمل الخيري الذي لو أجدناه وأتقنا ممارسته لكنا في أفضل حال. إننا نعيش بركات أيام وليالي هذا الشهر العظيم وعلينا أن نستثمر هذه الفرصة لندرب أنفسنا مستفيدين بما يحمله من مضامين سامية لكي نعزز ونفعل قيمة العمل الخيري في حياتنا.
صحيفة الاقتصادية الالكترونية
الأربعاء, 17 ربيع أول 1428 هـ الموافق 04/04/2007 م - العدد 4923