فيصل العوفي
04-03-2007, 03:25 AM
أسماء الزهراني*
يردد التربويون، ونردد معهم، في ساعات ترف كثيرة، هذا البيت لأمير الشعراء:
إن اليتيم هو الذي تلقى له
أمًّا تخلت أو أباً مشغولا
ومع كامل احترامي لأمير الشعراء، وللتربويين، أقول:بل اليتيم الذي مات أبواه، أو طرحاه على قارعة الطريق، ليلتقطه بعض السيارة، أو يواجه مصيرا مظلما، دافعا ثمن خطأ لم يرتكبه، أو لم يحدث أصلا. ورحم الله أبا العلاء المعري، يوم جعل شاهد قبره:
هذا جناه أبي علي
وما جنيت على أحد
أحيانا كثيرة، يعجز القلم عن الوقوف شاهدا على بعض المواقف الموجعة، ومواجع الطفولة اليتيمة، هي براكين لا تهدأ، ولهذا أوصى الرحمن سبحانه وتعالى باليتيم:"فأما اليتيم فلا تقهر"، وجعل المسح على رأس اليتيم قربة عظيمة، فما بالنا استبدلنا المسح على الرأس، بصفعة؟
رسالة من أحد نزلاء دور التربية الاجتماعية، أثارت هذه الشجون، رسالة يقول فيها كاتبها: كان أجدى لو تركوني على باب المسجد، أموت برداً. رسالة أوجهها لوزارة الشؤون الاجتماعية، ومعها ألف علامة استفهام، لا تساوي جزءا مما رأيته بنفسي، في عيون الصغيرات، بدار التربية الاجتماعية بجدة، وقد عملت فيها فترة قصيرة، قبل أن تخذلني طاقتي، أمام تلك العيون النازفة أسئلة لا جواب لها.
نعرف جميعا حجم الفساد والفوضى الإداريين، في معظم مؤسساتنا، والتي نربت بذكرها على كتف تقصيرنا، في كل مجال، لكن بعضها لا يحتمل تأجيل الحسم في شأنها، ذلك لأن ثمنها ليس أقل من حياة إنسان، أو مستقبل جيل بكامله. ومن هذه المؤسسات وزارة الشؤون الاجتماعية، فهي مسؤولة عن شريحة من الشباب، يمكن أن يضافوا إلى ثروة الوطن من الشباب المنتج، أو أن يتم تحويلهم لقنابل موقوتة، مزروعة في تربة المجتمع. وهناك عاملان يقطعان كل سبيل للتقصير في شأن الأيتام، أولهما محدودية هذه الفئة، وثانيهما قداسة المسؤولية التي تتحملها الوزارة تجاهها، ومن ثم اهتمام الدولة، واستعدادها لكل ما يخدم هذه المهمة الإنسانية.
تشرف الوزارة على عدد من دور التربية الاجتماعية، لكن عددها لا يغطي كامل هذه الفئة، والدليل على هذا، تنامي عدد الأيتام في المؤسسات الخيرية الأهلية، وهي جهات ليس لها تمويل ثابت، بل تعتمد على تبرعات أهل الخير، فهل يصح أن نترك مستقبل هؤلاء الأطفال، عرضة للحظ والصدفة، يترقبون مستقبلا مجهولا، على كف عفريت الضياع؟ اغتبطنا كثيرا ونحن نتابع المنحة الملكية، التي تقضي بأولوية الأيتام في الابتعاث، ومن حين لآخر نسمع عن منح ومكافآت مجزية، مالية وعينية تصرف للأيتام، فما الذي يفسر بقاء العديد منهم خارج الدور، وحرمانهم من الرعاية داخلها؟ ومع محدودية الدور التي تشرف عليها الوزارة، فهي تفتقر أيضا لكثير من الضرورات، فهناك نقص واضح في الرعاية النفسية المتخصصة، وهناك تفاوت كبير بين فروع الدور، يعكس فوضى إدارية، ونقص رقابة واضحين.
أما أخطر ما يمكن أن يقال في شأن الأيتام، فهو مستقبل اليتيم بعد تخرجه من الدار، فكثير منهم يعيش قلق هذه المرحلة،فضلا عن معاناتها. (ع. ع) هو أحد هؤلاء، شاب تربى في دور التربية، ولم يتمكن من مواصلة دراسته بنجاح، منحته المؤسسة عملا مؤقتا، براتب قدره (1300) ريال، وتطالبه الدار وزملاءه بالخروج، وتدبر أمورهم بأنفسهم. فكيف يعقل من الوزارة أن تقذف هؤلاء الشباب، في وجه الحياة الصعبة من دون توفير فرص الحياة الكريمة؟ وهل سأل المسؤولون عن هذه القرارات أنفسهم، إلى أي وجهة يتجه هؤلاء الشباب بعد خروجهم بلا عمل، ولا أي ضمانات اجتماعية؟ لجهات الضياع والانحراف؟ أم لأحضان مروجي الفساد الفكري والأخلاقي ؟
أترك هذه الأسئلة لوزارة الشؤون الاجتماعية، تجيب عليها، ومعها بطاقة عرفان وامتنان ساخنة، أنقلها بأمانة، من (ع.ع) وزملائه، للدكتور علي النملة، الوزير السابق، وسبحانك اللهم.
* كاتبة سعودية
الوطن (http://www.alwatan.com.sa/daily/2006-11-12/writers/writers09.htm)
يردد التربويون، ونردد معهم، في ساعات ترف كثيرة، هذا البيت لأمير الشعراء:
إن اليتيم هو الذي تلقى له
أمًّا تخلت أو أباً مشغولا
ومع كامل احترامي لأمير الشعراء، وللتربويين، أقول:بل اليتيم الذي مات أبواه، أو طرحاه على قارعة الطريق، ليلتقطه بعض السيارة، أو يواجه مصيرا مظلما، دافعا ثمن خطأ لم يرتكبه، أو لم يحدث أصلا. ورحم الله أبا العلاء المعري، يوم جعل شاهد قبره:
هذا جناه أبي علي
وما جنيت على أحد
أحيانا كثيرة، يعجز القلم عن الوقوف شاهدا على بعض المواقف الموجعة، ومواجع الطفولة اليتيمة، هي براكين لا تهدأ، ولهذا أوصى الرحمن سبحانه وتعالى باليتيم:"فأما اليتيم فلا تقهر"، وجعل المسح على رأس اليتيم قربة عظيمة، فما بالنا استبدلنا المسح على الرأس، بصفعة؟
رسالة من أحد نزلاء دور التربية الاجتماعية، أثارت هذه الشجون، رسالة يقول فيها كاتبها: كان أجدى لو تركوني على باب المسجد، أموت برداً. رسالة أوجهها لوزارة الشؤون الاجتماعية، ومعها ألف علامة استفهام، لا تساوي جزءا مما رأيته بنفسي، في عيون الصغيرات، بدار التربية الاجتماعية بجدة، وقد عملت فيها فترة قصيرة، قبل أن تخذلني طاقتي، أمام تلك العيون النازفة أسئلة لا جواب لها.
نعرف جميعا حجم الفساد والفوضى الإداريين، في معظم مؤسساتنا، والتي نربت بذكرها على كتف تقصيرنا، في كل مجال، لكن بعضها لا يحتمل تأجيل الحسم في شأنها، ذلك لأن ثمنها ليس أقل من حياة إنسان، أو مستقبل جيل بكامله. ومن هذه المؤسسات وزارة الشؤون الاجتماعية، فهي مسؤولة عن شريحة من الشباب، يمكن أن يضافوا إلى ثروة الوطن من الشباب المنتج، أو أن يتم تحويلهم لقنابل موقوتة، مزروعة في تربة المجتمع. وهناك عاملان يقطعان كل سبيل للتقصير في شأن الأيتام، أولهما محدودية هذه الفئة، وثانيهما قداسة المسؤولية التي تتحملها الوزارة تجاهها، ومن ثم اهتمام الدولة، واستعدادها لكل ما يخدم هذه المهمة الإنسانية.
تشرف الوزارة على عدد من دور التربية الاجتماعية، لكن عددها لا يغطي كامل هذه الفئة، والدليل على هذا، تنامي عدد الأيتام في المؤسسات الخيرية الأهلية، وهي جهات ليس لها تمويل ثابت، بل تعتمد على تبرعات أهل الخير، فهل يصح أن نترك مستقبل هؤلاء الأطفال، عرضة للحظ والصدفة، يترقبون مستقبلا مجهولا، على كف عفريت الضياع؟ اغتبطنا كثيرا ونحن نتابع المنحة الملكية، التي تقضي بأولوية الأيتام في الابتعاث، ومن حين لآخر نسمع عن منح ومكافآت مجزية، مالية وعينية تصرف للأيتام، فما الذي يفسر بقاء العديد منهم خارج الدور، وحرمانهم من الرعاية داخلها؟ ومع محدودية الدور التي تشرف عليها الوزارة، فهي تفتقر أيضا لكثير من الضرورات، فهناك نقص واضح في الرعاية النفسية المتخصصة، وهناك تفاوت كبير بين فروع الدور، يعكس فوضى إدارية، ونقص رقابة واضحين.
أما أخطر ما يمكن أن يقال في شأن الأيتام، فهو مستقبل اليتيم بعد تخرجه من الدار، فكثير منهم يعيش قلق هذه المرحلة،فضلا عن معاناتها. (ع. ع) هو أحد هؤلاء، شاب تربى في دور التربية، ولم يتمكن من مواصلة دراسته بنجاح، منحته المؤسسة عملا مؤقتا، براتب قدره (1300) ريال، وتطالبه الدار وزملاءه بالخروج، وتدبر أمورهم بأنفسهم. فكيف يعقل من الوزارة أن تقذف هؤلاء الشباب، في وجه الحياة الصعبة من دون توفير فرص الحياة الكريمة؟ وهل سأل المسؤولون عن هذه القرارات أنفسهم، إلى أي وجهة يتجه هؤلاء الشباب بعد خروجهم بلا عمل، ولا أي ضمانات اجتماعية؟ لجهات الضياع والانحراف؟ أم لأحضان مروجي الفساد الفكري والأخلاقي ؟
أترك هذه الأسئلة لوزارة الشؤون الاجتماعية، تجيب عليها، ومعها بطاقة عرفان وامتنان ساخنة، أنقلها بأمانة، من (ع.ع) وزملائه، للدكتور علي النملة، الوزير السابق، وسبحانك اللهم.
* كاتبة سعودية
الوطن (http://www.alwatan.com.sa/daily/2006-11-12/writers/writers09.htm)