طلحة الدهلوي
03-28-2007, 05:34 PM
العنوان
لا تجعليه يفتقدك.. كي لا تفقديه
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد.. سيدي الفاضل..
أنا أرملة توفِّي زوجي قبل ميلاد طفلي الوحيد بأيام وهو الآن 3.6 أشهر. مشكلتي التي أعاني منها هي أن ابني أجده متزنًا تمامًا إلا مما يقوم به الأطفال في مثل سنه من شقاوة قد تتجاوز الحد قليلاً، ولكنها محتملة طالما أنني لست معه، ولكنها تزداد إلى حد لا يحتمل عند رؤيته لي بعد عودتي من العمل مثلاً أو في حالة تواجدي معه عند والدتي، ويقولون إن كونه وحيدًا للظروف التي مرت بنا هو السبب، وأنا لا أعلم كيف أتعامل مع هذا السلوك الذي قد يبدو عدوانيًّا؟ أرجو إرشادي. مع العلم بأني أبذل قصارى جهدي في تعويضه عن فقد أبيه في حدود المعقول حتى لا يكون مدللاً.. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
د. مي حجازي
لو نظرنا إلى تاريخ العظماء أصحاب المواهب.. لتبين لنا أن البشرية مدينة باكتشافهم لأمهاتهم، وليس لآبائهم، فالأم هي التي تلاحظ أبناءها وتلمس مواهبهم وتعمل على توجيههم، وتنمية هذه المواهب فيهم، فتقدم للبشرية نتاجًا ممتازًا يؤدي لها أجل الخدمات، وكما قيل: "الأم هي شمعة مقدسة تضيء ليل الحياة بتواضع ورقة وفائدة"، فسباقك للنبي -صلى الله عليه وسلم- في دخول الجنة يا أختي لا يأتي من فراغ، ولكنه نتاج لجهدك المضاعف في رعاية هذه النبتة التي لم يَعُد لها إلا أنت، فحب الأم هو ما يبقى في إقبال الخطر وإدباره، وفي تنكر العالم وتجهم وجه الدهر.. أعانك الله -عز وجل- على هذه المهمة، ولتكن عينيك دائمًا على ما تتمنّينه لولدك لتسيري على درب صناعته بكل دقة، فكما قال نابليون: "مستقبل الولد هو من صنع أمه".
أختي الحبيبة..
إن ظروف ولدك الحبيب وحتى عمره متقاربة مع ظروف وعمر ابنتي الصغيرة التي فقدت أباها قبل أن ترى الدنيا، وهذا الأمر يجعل ارتباط الطفل بأمه وحبه لها وخوفه من فقد آخر خط دفاع لديه أقوى من أي طفل آخر.. فهو أمر طبيعي فأنت له الأمن، والحنان، والرعاية، والحضن، والملاذ...، وهو يفتقدك عند عدم وجودك، وبالتالي فعندما يجدك يكون أكثر نشاطًا لافتقاده لك فهو يريد أن يقول لك: "لماذا تركتني؟ من يملأ في حياتي مكانك؟".. وربما سوَّغ لي ذلك أن أهمس في أذنيك بإطالة الوقت الذي تمكثينه معه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
وللتخفيف من آثار ابتعادكما عن بعضكما البعض أسوق إليك بعض المقترحات:
أولاً: يفضل أن تدخلا البيت سويًّا، بمعنى أن تحاولي إلحاقه بحضانة جميلة لطيفة ذات مستوى متميز في الرعاية بحيث يكون الوقت الذي تنفصلين عنه فيه هو وقت يمارس فيه النشاطات المختلفة، ويتلقى بعض المعلومات المفيدة، ويلعب مع الأصدقاء، ومن الممكن توضيح كل هذه المزايا له قبل إشراكه فيها؛ ليعلم أنه ليس تخلصًا منه، بل هي محاولة لإسعاده وشغل وقته، وبالتالي فعند عودتكما للمنزل لا يشعر أنك تركتينه ثم عدت إليه، بل يشعر أنكما كنتما بالخارج ثم عدتما معًا.
ثانيًا: لا بد من إشراكه في رياضة يمارسها بانتظام، ولهذا الأمر بعدان:
1 - تفريغ طاقته الجسمية بما يفيده، وتنشئته على حب الرياضة، وهذا أمر لا يختلف اثنان في مدى أهميته.
2 - أن يكون المدرب بالنسبة له نوعًا من أنواع القدوة أو نموذج للأب الذي يفتقد وجوده، وهذا يؤكد على ضرورة اختيار المدرب، ولو توقف على ذلك اختيار اللعبة التي سيمارسها نفسها.
ثالثًا: لا بد من ممارسة الحنان مع الطفل بكل قوة أثناء فترة تواجدكما معًا، وذلك بالأحضان الطويلة، والمدح الهامس، والمداعبة الرقيقة، وينبغي محاولة عدم الانشغال عنه في حالة تواجدكما معًا.
رابعًا: لا بد من تنظيم نزهات دورية إلى أماكن يحبها وتسعده وينطلق فيها، كالحدائق أو الرحلات النهرية أو الذهاب للشواطئ أو غير ذلك مما يسبب له السعادة.
خامسًا: لا بد من عدم الحدة في توجيهه، وكذلك عدم الإفراط في إبداء الخوف عليه.
سادسًا: قد يكون الأب الفعلي في حياة الكثير من الأبناء هو الرجل الذي ينفق على الأسرة ويتولى شئونها، لكن تأثير الأب في حياتهم وبنيتهم النفسية هو تأثير الأب الرمزي، أي الصورة المتخيلة عن الأب.. الذي يعني القدوة والحماية والقوة، وهذا الأب الرمزي ليس بالضرورة أن يكون بداخل البيت، بل هو بداخل نفوس الأبناء، وقد تصنع الأم بكلامها عن الأب وإشعار الأبناء بأهميته، وكونه قدوة عظيمة هذا النموذج الذي يحقق التوازن في حياة الأبناء.. ويمكن ذلك من خلال جمل مثل: "بابا يحبك كثيرًا، وكان يتمنى أن تكون عظيمًا"، أو "لقد كان أبوك حينما يفعل شيئًا يفعله بكل دقة"، أو غير ذلك مما يوجد الأب في حياة الطفل بصورة رمزية تحقق له التوازن والقدوة.
سابعًا: من الممكن اتخاذ فرد في الأسرة كأب للطفل من خال أو عم أو زوج خالة، أو من خارج الأسرة كالمدرب أو الأستاذ في المدرسة، والاتفاق معه على ذلك لغمر الطفل بالحنان وتحقيق وجود حنان الأب وتوجيهه وقدوته في حياة الطفل.
أختي الحبيبة..
إن تعويض الطفل بالمشاعر ينسيه أي فقد، فالأطفال ينسون بسرعة، وبحكم كون ابنك ولدًا فيجب عليك ألا يفقد وجودك أو حنانك دون أن تعوضيه بمشاعر جياشة كي لا تفقديه فيما بعد، ونحن معك نؤازرك ونعينك.. أعانك الله تعالى وإيانا على كل خير، وتذكري أن الأم ملجأ حلو يرى فيه الطفل الحب والآلاف من صفات الحنان.. وعندما يزول هذا الملجأ يصبح المكان.. قفرًا.
(اسلام أون لاين)
لا تجعليه يفتقدك.. كي لا تفقديه
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد.. سيدي الفاضل..
أنا أرملة توفِّي زوجي قبل ميلاد طفلي الوحيد بأيام وهو الآن 3.6 أشهر. مشكلتي التي أعاني منها هي أن ابني أجده متزنًا تمامًا إلا مما يقوم به الأطفال في مثل سنه من شقاوة قد تتجاوز الحد قليلاً، ولكنها محتملة طالما أنني لست معه، ولكنها تزداد إلى حد لا يحتمل عند رؤيته لي بعد عودتي من العمل مثلاً أو في حالة تواجدي معه عند والدتي، ويقولون إن كونه وحيدًا للظروف التي مرت بنا هو السبب، وأنا لا أعلم كيف أتعامل مع هذا السلوك الذي قد يبدو عدوانيًّا؟ أرجو إرشادي. مع العلم بأني أبذل قصارى جهدي في تعويضه عن فقد أبيه في حدود المعقول حتى لا يكون مدللاً.. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
د. مي حجازي
لو نظرنا إلى تاريخ العظماء أصحاب المواهب.. لتبين لنا أن البشرية مدينة باكتشافهم لأمهاتهم، وليس لآبائهم، فالأم هي التي تلاحظ أبناءها وتلمس مواهبهم وتعمل على توجيههم، وتنمية هذه المواهب فيهم، فتقدم للبشرية نتاجًا ممتازًا يؤدي لها أجل الخدمات، وكما قيل: "الأم هي شمعة مقدسة تضيء ليل الحياة بتواضع ورقة وفائدة"، فسباقك للنبي -صلى الله عليه وسلم- في دخول الجنة يا أختي لا يأتي من فراغ، ولكنه نتاج لجهدك المضاعف في رعاية هذه النبتة التي لم يَعُد لها إلا أنت، فحب الأم هو ما يبقى في إقبال الخطر وإدباره، وفي تنكر العالم وتجهم وجه الدهر.. أعانك الله -عز وجل- على هذه المهمة، ولتكن عينيك دائمًا على ما تتمنّينه لولدك لتسيري على درب صناعته بكل دقة، فكما قال نابليون: "مستقبل الولد هو من صنع أمه".
أختي الحبيبة..
إن ظروف ولدك الحبيب وحتى عمره متقاربة مع ظروف وعمر ابنتي الصغيرة التي فقدت أباها قبل أن ترى الدنيا، وهذا الأمر يجعل ارتباط الطفل بأمه وحبه لها وخوفه من فقد آخر خط دفاع لديه أقوى من أي طفل آخر.. فهو أمر طبيعي فأنت له الأمن، والحنان، والرعاية، والحضن، والملاذ...، وهو يفتقدك عند عدم وجودك، وبالتالي فعندما يجدك يكون أكثر نشاطًا لافتقاده لك فهو يريد أن يقول لك: "لماذا تركتني؟ من يملأ في حياتي مكانك؟".. وربما سوَّغ لي ذلك أن أهمس في أذنيك بإطالة الوقت الذي تمكثينه معه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
وللتخفيف من آثار ابتعادكما عن بعضكما البعض أسوق إليك بعض المقترحات:
أولاً: يفضل أن تدخلا البيت سويًّا، بمعنى أن تحاولي إلحاقه بحضانة جميلة لطيفة ذات مستوى متميز في الرعاية بحيث يكون الوقت الذي تنفصلين عنه فيه هو وقت يمارس فيه النشاطات المختلفة، ويتلقى بعض المعلومات المفيدة، ويلعب مع الأصدقاء، ومن الممكن توضيح كل هذه المزايا له قبل إشراكه فيها؛ ليعلم أنه ليس تخلصًا منه، بل هي محاولة لإسعاده وشغل وقته، وبالتالي فعند عودتكما للمنزل لا يشعر أنك تركتينه ثم عدت إليه، بل يشعر أنكما كنتما بالخارج ثم عدتما معًا.
ثانيًا: لا بد من إشراكه في رياضة يمارسها بانتظام، ولهذا الأمر بعدان:
1 - تفريغ طاقته الجسمية بما يفيده، وتنشئته على حب الرياضة، وهذا أمر لا يختلف اثنان في مدى أهميته.
2 - أن يكون المدرب بالنسبة له نوعًا من أنواع القدوة أو نموذج للأب الذي يفتقد وجوده، وهذا يؤكد على ضرورة اختيار المدرب، ولو توقف على ذلك اختيار اللعبة التي سيمارسها نفسها.
ثالثًا: لا بد من ممارسة الحنان مع الطفل بكل قوة أثناء فترة تواجدكما معًا، وذلك بالأحضان الطويلة، والمدح الهامس، والمداعبة الرقيقة، وينبغي محاولة عدم الانشغال عنه في حالة تواجدكما معًا.
رابعًا: لا بد من تنظيم نزهات دورية إلى أماكن يحبها وتسعده وينطلق فيها، كالحدائق أو الرحلات النهرية أو الذهاب للشواطئ أو غير ذلك مما يسبب له السعادة.
خامسًا: لا بد من عدم الحدة في توجيهه، وكذلك عدم الإفراط في إبداء الخوف عليه.
سادسًا: قد يكون الأب الفعلي في حياة الكثير من الأبناء هو الرجل الذي ينفق على الأسرة ويتولى شئونها، لكن تأثير الأب في حياتهم وبنيتهم النفسية هو تأثير الأب الرمزي، أي الصورة المتخيلة عن الأب.. الذي يعني القدوة والحماية والقوة، وهذا الأب الرمزي ليس بالضرورة أن يكون بداخل البيت، بل هو بداخل نفوس الأبناء، وقد تصنع الأم بكلامها عن الأب وإشعار الأبناء بأهميته، وكونه قدوة عظيمة هذا النموذج الذي يحقق التوازن في حياة الأبناء.. ويمكن ذلك من خلال جمل مثل: "بابا يحبك كثيرًا، وكان يتمنى أن تكون عظيمًا"، أو "لقد كان أبوك حينما يفعل شيئًا يفعله بكل دقة"، أو غير ذلك مما يوجد الأب في حياة الطفل بصورة رمزية تحقق له التوازن والقدوة.
سابعًا: من الممكن اتخاذ فرد في الأسرة كأب للطفل من خال أو عم أو زوج خالة، أو من خارج الأسرة كالمدرب أو الأستاذ في المدرسة، والاتفاق معه على ذلك لغمر الطفل بالحنان وتحقيق وجود حنان الأب وتوجيهه وقدوته في حياة الطفل.
أختي الحبيبة..
إن تعويض الطفل بالمشاعر ينسيه أي فقد، فالأطفال ينسون بسرعة، وبحكم كون ابنك ولدًا فيجب عليك ألا يفقد وجودك أو حنانك دون أن تعوضيه بمشاعر جياشة كي لا تفقديه فيما بعد، ونحن معك نؤازرك ونعينك.. أعانك الله تعالى وإيانا على كل خير، وتذكري أن الأم ملجأ حلو يرى فيه الطفل الحب والآلاف من صفات الحنان.. وعندما يزول هذا الملجأ يصبح المكان.. قفرًا.
(اسلام أون لاين)