المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (إنسانيات) الإسلام: قاعدة لنشوء (وعي إنساني كوكبي) يمجد العمل الخيري ويباشره


طلحة الدهلوي
03-27-2007, 02:51 AM
(إنسانيات) الإسلام: قاعدة لنشوء (وعي إنساني كوكبي) يمجد العمل الخيري ويباشره

بالاختيار، وبالاضطرار، يتأكد كل يوم، وكل ساعة: ان البشرية (عائلة واحدة) يؤلف بينها (مشترك إنساني): عريق وواسع وحميم، مهما اختلفت أديانها ولغاتها وألوانها ومواقعها الجغرافية.. كانت البشرية كذلك منذ خلقها الله: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا».. يقول المفسرون ـ في تفسير هذه الآية ـ : معنى بث منهما رجالا كثيرا ونساء، أي نشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم والوانهم ولغاتهم (عدد سكان الكوكب من الأناسيّ اليوم ستة بلايين ومئتا ألف إنسان).. وقالوا: إن في الآية تنبيها وتذكيرا إلى أن أصل الخلق البشري من أب واحد، وأم واحدة، فيقتضي ذلك أن يعطف بعضهم على بعض، وأن يرحموا ضعفاءهم، لأن بينهم (رحماً) جامعاً أشارت إليه الآية بلفظة (والأرحام).. كانت البشرية مذ خلقت عائلة واحدة.. ثم جاءت وسائل العلم والتقدم فزادتها قوة وتقاربا: وسائل الاتصال التي ساوت بين أفراد العائلة في العلم بالخبر والمعلومة والحدث.. ووسائل المواصلات التي يسّرت التنقل والسفر، وسهّلت اللقيا والتعارف.. نعم.. نعم.. نعم. الناس جميعا عائلة واحدة على الرغم من وجود (الانفصاليين) ضيقي الأفق والاحساس والشعور: من كل جنس ودين.
إن زلزال المحيط الهندي، والأمواج الشم الكاسحة التي تبعته، لدليل قاطع ساطع على أن ما يصيب عضوا في الجسم الإنساني: يصيب الأعضاء جميعا: علم ذلك من علمه، وجهله من جهله.

لا يكاد إنسان على وجه الأرض لم يعلم بهذا الحدث، ولم يفجعه الحدث.. هذه واحدة.. والأخرى: ان الناس هبوا للنجدة والاسعاف والمواساة. فتوافق الحزن البالغ مع ما يسر ويشرح الصدر وهو: الركض الإنساني الخير والهميم من أجل الإنسان المفجوع المنكوب.. صحيح: أن العون جاء متأخرا ـ نسبيا ـ وأنه أقل مما ينبغي أن يكون، ولكن ليس مما يشرف الإنسانية، ولا من العدل: غمط الجهد المبذول.

ويعنينا ـ في المبتدأ ـ: اجتلاء (قيم الاسلام) الانسانية في هذا المجال. وذلك لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، أو يظل أناس من المسلمين يحملون مفاهيم خاطئة في هذه القضية: مفاهيم (الانفصال الشعوري) عن العائلة الانسانية الواحدة.

نقرأ في الاسلام: ان بغياً غفر الله لها بسبب شعورها الإنساني نحو كلب اشتد به العطش، حيث سارعت الى انقاذه من الهلاك بأن ملأت خفها بالماء من بئر فسقته فغفر الله لها!.. وان امرأة كان مصيرها النار بسبب حرمان هرة من الطعام: لم تقدم لها طعاما، ولم تتركها تسعى في الأرض فتأكل.. وأن النبي أوقف زحف الجيش عندما رأى عصفورا مفجوعا. ولم يتحرك حتى رفع المأساة عن العصفور قائلاً: «من فجع هذه بولدها، ردوا ولدها إليها».. ونقرأ في تراثنا الفقهي: أنه اذا لجأت هرة عمياء الى بيت شخص وجبت نفقتها عليه لأنه ليس في مقدورها التعرف على طريق الانصراف.. ونقرأ في تراثنا السلوكي الحضاري: أن الصحابي: عدي بن حاتم كان يفت الخبز للنمل ويقول: انهن جارات لنا ولهن علينا حق، وان الامام الشهير أبي اسحاق الشيرازي كان يمشي فلقي كلبا في الطريق فسارع أحد تلاميذه الى تعنيف الكلب بلسانه. وعندئذ قال الامام الشيرازي: دعه. أما علمت ان الطريق مشترك بيننا وبينه.

فهل يرفق الاسلام بالحيوانات والطيور ويبرها ويواسيها، ثم لا يرفق بالإنسان، ولا يواسيه؟!

لا.. لا.. لا. مائة ترليون مرة.

يسند (لا) هذه ويوثقها: عشرات الأدلة والبراهين.. ومن ذلك:

1 ـ ان مقاصد الاسلام العظمى محصورة ـ منهجيا ـ في اثنين هما أ : توحيد الله، ب : الاحسان الى خلقه (والمقاصد الأخرى كافة: فرع عن هذين الاثنين).. والمقصد الثاني (الاحسان الى الخلق) ثمرة للمقصد الأول (توحيد الله).. وهذا هو البرهان: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل».. يقول القرطبي: «الجار الجنب: اليهودي والنصراني. وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها: مسلما كان أو كافرا. والاحسان قد يكون بالمواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى. والمحاماة من دونه».. ولا داعي لحصر (والجار الجنب) في اليهودي والنصراني. فالنص يشمل غير المسلمين جميعا.

إن تحقيق التوحيد: يثمر ـ بالضرورة العملية ـ: إحسانا الى الناس، وبرا بهم، ومواساة لهم.. وأيما مسلم زعم التوحيد ثم نظرت فوجدت فيه جفاء، وغلظة، وتحجرا في الشعور والاحساس ونزوعا الى الاساءة الى الناس، والى حجب الخير والنعماء والمواساة عنهم، فاعلم أن في توحيده: دَخَناً وخللا والتياثا. وان زعم الايمان والتوحيد.. فللتوحيد علامات منها: الاحسان الى الناس.

2 ـ البرهان الثاني على (حنوّ) الاسلام على الانسان من حيث هو إنسان: بذل الرحمة العامة لكل أحد. ولقد قال النبي: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» ـ فسبيل استنزال رحمة الله هو الرحمة بالناس.. والضد صحيح. بمعنى: أن القسوة على الانسان: مانع من رحمة الله جل ثناؤه.. ومن صور الرحمة بالناس ـ بلا ريب ـ: المسارعة الى تفريج الكرب عنهم بمواساتهم، وتقديم الخير والبر لهم.

3 ـ الربط بين حقيقة الاسلام وبين اطعام الطعام (وهو رمز لكل بر ومعروف).. فقد سئل النبي: أي الاسلام خير؟ فقال: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».. وبعيد ان يكون مفهوم اطعام الطعام محصورا في المسلمين.. أولا: ينفي هذا الحصر الدليلان الآنفان.. ثانيا: ان في الحديث نفسه: ضميمة عامة تنفي الحصر. هذه الضميمة هي: «وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». فالسلام ها هنا مبذول للمسلمين وغير المسلمين ـ وكذلك الطعام ـ.. وقد قال عمار بن ياسر (وهو قول رجح ابن حجر في الفتح أن يكون من كلام النبي).. قال عمار: «ثلاث من كن فيه فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك. وبذل السلام للعالم. والإنفاق من الاقتار».. يقول ابن حجر «والعالم بفتح اللام، والمراد به هنا جميع الناس».. وهكذا: كما ينبغي بذل السلام للناس كافة، ينبغي ان يكون الانفاق للناس كافة. ولذا وجد التطابق بين حديث النبي وكلام عمار. وهذا ما يرجح ترجيح ابن حجر في رفع كلام عمار الى النبي.

4 ـ البرهان الرابع : الفرحة الغامرة بنزول النعمة على الناس كافة وبسعادتهم وهناءتهم وراحتهم. وهي رحمة ترجمها دعاء النبي: «اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر».. فعبارة (بأحد من خلقك) تنتظم بني آدم جميعا: أبيضهم وأسودهم، كافرهم ومؤمنهم.. ومن التحريف لمفاهيم الاسلام، ومن التزوير لقيمه ان يزعم أحد: ان هذه العبارة مقصورة على المسلمين وحدهم: لا تتعداهم الى غيرهم من بني آدم.. وفي الدعاء النبوي: دلالاتان أخريان هما: أ ـ دلالة: أن النبي يحمد ربه ويشكره بالنيابة عن كل أحد أصبح في نعمة من أفراد الأسرة البشرية. ب ـ ودلالة مفهوم المخالفة وهو: أن النبي يسوؤه: أن ينزل بالناس ضر: مادي أو معنوي. وهذا من فيض الرحمة العامة التي بعث بها، وكأنها: «وما أرسلناك الا رحمة للعالمين».

5 ـ البرهان الخامس على القيم الانسانية المجردة في الاسلام: أن القرآن قدم ذا القرنين في صورة رجل صالح مصلح ينبعث الى تقديم العون والمساندة والمواساة والإعمار من دون أن يشترط الايمان فيمن يقدم لهم العون والاحسان: «حتى اذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا. قالوا يا ذا القرنين ان يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ؟ قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردما».

في ضوء هذه القيم الانسانية، وبمقتضى العبرة الانسانية من زلزال المحيط الهندي: ندعو الى انضاج (وعي انساني كوكبي) يمجد قيمة (العمل الانساني الطوعي) ويباشرها: بهمة ومثابرة وتوسع وفرحة واستبشار.. ويتوجب علينا في هذا المقام: ان نصدع بما يلي:

أولا: ان الكلام العريض عن (المجتمع المدني) لا وعي فيه ولا صدق اذا لم يركز على (العمل الخيري الإنساني). ذلك ان كل نشاط صادق ومستنير في المجتمع المدني إنما يبذل من (أجل الإنسان).. وهذا الانسان في كل مجتمع وقارة: مفتقر الى كل عمل تطوعي خيري إنساني.

ثانياً: ان الذين يجهدون في سبيل (تجفيف منابع العمل الإنساني) هم ابعد الناس عن الانسانيات الخلقية والحضارية.. ومردودة هي مقولتهم التي يزعمون فيها انهم يفعلون ذلك لتضييق الخناق على الارهاب. فنحن معهم ـ بل قبلهم ـ على حشر الارهاب في مثل حجر الضب، بيد أنهم بسلوكهم المناع للخير يقدمون أعظم انتصار للارهاب، بمعنى ان الارهاب قد انتصر من خلال حرمان المجتمعات الانسانية من العمل الخيري الانساني.

ثالثا: يلحظ: أن العمل الخيري المضيق عليه هو العمل الخيري الاسلامي وحده!!.. وهو ملحظ يلقي شكا عاصفا حول دوافع الحرب على الارهاب. كما يلغم سوء التفاهم بين الغرب والعالم الاسلامي بالغام دينية تزيد الارهاب حدة، لا فتورا.

رابعا: تجب إعادة النظر ـ على عجل ـ في (قيود مفتعلة) ـ على العمل الخيري الإنساني الإسلامي.. ونقول (قيود مفتعلة) ـ بالتنكير ـ لأن هناك قيوداً أو ضوابط معقولة لا بد منها لمصلحة هذا العمل الخيري نفسه.

ومن اهم هذه الضوابط التي نقترح أن تكون (قانونا إنسانيا دوليا) عاما:

أ ـ تجريد العمل الإنساني الخيري من الانتهازية السياسية: الحزبية والحكومية.

ب ـ منع العون الخيري الانساني من الوصول الى الارهابيين سواء كانوا مسلمين أو صهيونيين (أموال خيرية كثيرة تتدفق على اسرائيل فتعينها على قتل الفلسطينيين وقمعهم).

ج ـ حماية الأموال الخيرية من أن تتحول الى دعم وتمويل حملات الحقد والكراهية والتحريض.

(جريدة الشرق الأوسط)

فيصل العوفي
03-27-2007, 04:10 AM
جزاك الله خير موضوع رائع بالفعل


يتأكد كل يوم، وكل ساعة: ان البشرية (عائلة واحدة) يؤلف بينها (مشترك إنساني)