المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخير عادة


طلحة الدهلوي
03-01-2007, 04:10 AM
حد الخير هو ما كان ضد الشر، وهو الفاضل من كل شيء، وفـي الأثر:
"خير الناس خيرهم لنفسه".
ومن يسرُّه الخيرُ يصيب الناسَ فهو من خيارهم، وشرهم من داراه الناس لشره، ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه.
ما الخير صوم يذوب الصائمون له
ولا صـلاة ولا صــوف على جسد

وإنمـــــــا هو ترك الشـر مطـرحاً
ونفضك الصدرَ من غلٍّ ومن حسد

قال الله جل وعلا: (ليْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة:177].
إن الخير موافق للعقل السليم، فلا يقبل إلا إياه ولا يميل إلا إليه؛ بخلاف الشر فإن العقل السليم ينفر عنه ويقبحه، والبدار إلى عمل الخير اختياري، ورده إلزامي.

فاستغنم الخير فالدنيا على أحد
ليست تدوم وهذي عادة الزمن

وإن من الخير للنفس المؤمنة تعويدها فعل الخيرات والتجافي عن المنكرات؛ فالخير عادة والشر لجاجة.
العادة سلوك ذاتي باستطاعة المرء مع الصبر والإرادة الصادقة تطويره وتنميقه وتحسينه وتزويقه؛ فالإنسان قد منحه الله مرونة لإعادة صياغة ذاته، وتطوير عاداته بما يتناسب مع احتياجاته ومكتسباته ومتطلباته، وفي هذا حديث أشج عبد القيس الذي قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة" فقال: أشيء تخلقتُ به أم جبلتُ عليه يا رسول الله ؟ فقال : "لا.. بل جبلتَ عليه" فقال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله. [رواه مسلم]
وخبر الرجل الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أوصني، قال: "لا تغضب" فردد مرارًا، قال: "لا تغضب" [رواه البخاري].
ومع تكرار الفعل وممارسته تتعلق نفسه به شَعُر أو لم يشعر، فيكتسبه عادةً، سواء حسنت أم قبحت، ويتكيف عليها؛ بل ويألفها ولا يستهجنها، وللمعرّي أبيات:

والمرء يوجد من عدْمٍ وما نقلتْ
عنه الحوادثُ من عاداته رِيعًا

إن يألَفِ الهضْبَ لا يَبْغِ الوُهودَ به
أو يألفِ الوهد لايُؤْثِرْ به الرِّيعا

وفي الضّرورَة يلغى ما تَعوّدَه
والعُفْرُ تأكل في الرمل اليساريعا
وفي لسان العرب: الرِّيع: المكان المرتفع على جوادِّ الطرق، والهضب: المكان المتمنع، والوهد: المكان المطمئن، والعفر: الظباء، واليساريع: دود.
ومتى وجد الجاد من نفسه إقبالاً فليحملها على الخير وليقتنص الفرصة، وإذا تثاقلت عن ذلك فلا يقسرها فتمل، ولا يركن إلى الدعة والكسل؛ فإن النفس تستمرئ ذلك وتعتاده.

والنفس إن أعطيتها هواها
فاغرة نحو هواها فاها
فاكتساب العادة الحسنة يتطلب صبرًا ومرانًا وممارسة ودربة، ومع مرور الزمن تصبح أمرًا ميسورًا معتادًا، وكل عادة خيرة تُكتسب تضيف إليك خبرةً، وتضفي عليك بهجةً ونضرةً وتألقاً، وتزاحم العوائد التي بلا فوائد.
وقدماً شاع وذاع لمالئ الدنيا وشاغل الناس: لكل امرئ من دهره ما تعودا.
وليس من العسير أن يعوِّدَ المرء نفسَه على معالي الأمور فيألفها وتألفه، فمن طبيعة الإنسان أنه يألف ويؤلف، وفي المأثور: الإنسان ابن عادته، والكريم يألف الكمالات.
ومن مقول أبي الدرداء -رضي الله عنه-: إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتوقَّ الشر يوقه.
ومن السداد والتوفيق أن يكون من وكد المرء وهمه أن يعتاد الخير ويراقب نفسه في مكتسباته..
- فيتعود أن يعالج نيته؛ فرب عمل قليل كثرته النية، ورب عمل كثير قللته النية.
- يتعود التقوى؛ فمن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا.
- يتعود ذكر الله؛ فالذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت، والبيت العامر والخرب.
- يتعود أن يسأل الله بأسمائه الحسنى من خيري الدنيا والآخرة، ولا يحمل هم الإجابة.
- يتعود بر والديه حيين أو ميتين، وفيهما فجاهد فثَمَّ الجنة.
- يتعود صلة الرحم فيغنم سعة الرزق وطول العمر؛ فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.
- يتعود الصدق؛ فإن الصدق نجاة وسلامة، والكذب جبن وندامة.
- ويتعود حفظ جوارحه عن أعراض المسلمين، وخاصة اللسان؛ فكل اغتياب جهد مَن ما لَه جهد.
- يتعود الدعوة؛ فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمْر النعم.
- يتعود البذل والجود وبسط الكف؛ فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه.
- يتعود الفرح بتوبة التائبين ورجوعهم لرب العالمين، والشفقة عليهم من الوقوع في سخط الجبار -جل وتعالى-.
- يتعود أن يهتم بشأن المسلمين؛ فمن لم يهتم بشأن المسلمين فليس منهم.
- يتعود الحلم وكتم الغيظ؛ فمَنْ ردَّ غضبَه هدَّ مَنْ أغضبه.

لا يبلغ المجد أقوامٌ وإن كرُموا
حتى يَذلوا - وإن عزّوا- لأقوامِ

ويُشتَموا فترى الألوان مسفرةً
لا صفحَ ذلٍّ ولكنْ صفحَ أحلامِ

- يتعود أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر تشمله الخيرية.
- يتعود الابتسام وطلاقة الوجه؛ فتبسمك في وجه أخيك صدقة.
- يتعود أن يتشبع بالأمل؛ فالأمل حادي العمل، وإياه واليأس فهو بريد الانتكاس والارتكاس.
- يتعود التخطيط لحياته، وتحديد أهدافه يحسن اختياره، ويتضح مساره.
- يتعود تطوير نفسه وتنمية ثقافته وبناء ذاته يتسع أفقه، وتتجدد حياته، ويصنع السعادة لنفسه ولغيره.
- يتعود أن يكون قارئاً؛ فالقراءة تنمي الفكر وتكسب التجارب وتعلم الحكمة.
- يتعود الاستقلال بشخصيته والاعتداد بها مع عدم الإعجاب بالذات، لكي لا ينجرف مع كل ناعق، وحتى لا تكثر الصور المكررة في الميدان، وكي يكثر الإبداع، فالتنوع ظاهرة صحية.
- يتعود أن يراعي الذوق العام ويحترم مشاعر الآخرين؛ فالذوق قيمة سامية، ومؤشر على الرقي والوعي يضفي على حياة الفرد بهاءً وجمالاً ويجعلها أكثر سعادة وهناء.
- يتعود تنميق عباراته وانتقاء كلماته؛ فالحديث المزوق ينفذ الآذان ويهز الوجدان، وإن من البيان لسحرًا.
- يتعود أن يكون مستمعاً جيداً يحسن الإنصات؛ فلن يبلغ المجد ناشده حتى يصبر على سِرَارِ الشيوخ البُخْر.
- يتعود الرفق في شأنه كله؛ فما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه.
- يتعود الإيثار وترك حظ النفس وعدم الانتصار لها؛ بل واتهامها بالتقصير خاصة مع الله -سبحانه وتعالى-.
- يتعود الأناة والتريث؛ فالعجلة طيش ونزق وندامة، وفرق بين العجلة والمبادرة لاقتناص الفرص.
- يتعود الاقتصاد في الكلام؛ فخير الكلام ما قل ودل وجل، ولم يطل فيمل.
- يتعود الاعتدال في الطعام؛ فالبطنة تذهب الفطنة، وسبب للفدامة والعي، وقسوة للقلب.
- يتعود الانتظام بالمنام والقيام؛ فكثرة النوم هدر للوقت وبلادة وذبول وخمول.
- يتعود الحيوية والجد في مختلف شؤون حياته يجد ذلك يسيرًا عليه، ويرى الثمرة بعينيه.
فمن رغب النُّجْح والسعد فليفعل وإن كان ثمة عناء؛ فكل امرئ رهنٌ بما يتعود، وإنما يألف الراحات من تعبَ.

وليس بمعجز خوض الفيافي
"إذا اعتاد الفتى خوض المنايا"

عبدالرحمن القرافي
03-01-2007, 06:26 AM
ممتاز أخي طلحة.


لكن هذا المقال من صاحبه ؟


هذا من باب التوثيق فقط

عبدالعزيز العوفي
03-01-2007, 07:32 PM
مقال أكثر من رائع واعتقد أنه لعبد القادر عياض ولست متأكد