طلحة الدهلوي
03-20-2007, 03:17 AM
العمل التطوعي ضعيف في العالم الإسلامي!
متابعة - سليمان الصالح
قد يتصور البعض أن العمل الخيري التطوعي في عالمنا العربي والإسلامي حجمه كبير ويغطي كل المجالات أو أكثرها ويفي باحتياجات المسلمين، لكن الواقع يقول بغير ذلك، بل الأمر أن المجتمعات العربية والإسلامية تعد متخلفة في العمل التطوعي عن الدول الغربية، هذا على الرغم من أن المسلمين يرجون الآخرة ويطلبون جنة ربهم.
هذه الحقائق ذكرها فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد الداعية المعروف ضمن محاضرته القيمة حول العمل التطوعي والمشاركة فيه، وقد بين فضيلته أهمية العمل التطوعي في خدمة المجتمعات المسلمة ودوره في حل الكثير من مشكلات المسلمين، مؤكدا أن المشاركة في أعمال التطوع مطلب شرعي وهو متعدد المجالات ولا يمكن حصره في مجال واحد، ناصحا الشباب بالانخراط في مثل هذه الأعمال التي تتعدى بنفعها الشخص القائم به.
خطورة العمل الفردي
منذ البداية يكشف فضيلة الشيخ المنجد عن حقيقة مرة موجودة في ميدان العمل الخيري التطوعي وهو العمل الفردي، حيث يوضح أن العمل الفردي في هذا الميدان كثيرا، ما يشكل عنصر إعاقة لهذا العمل وخصوصا إذا لم يكن المتطوع مؤهلا لهذا العمل فضلا أن ارتباط العمل الخيري بشخص واحد ربما أضاع الكثير من الحقوق، فكم من الأموال والأوقاف ضاعت بسبب موت القائم بالعمل الخيري، حيث لا يعلم بهذه الجهود إلا الشخص نفسه، فكثير من الأعمال عرضة للضياع بسبب الفردية في العمل الخيري وهذا ما يؤكد أهمية العمل المؤسسي والجماعي في هذا الميدان لأنه يخضع لإدارة ونظام ومراقبة.
العمل التطوعي ونفع الآخرين
ويوضح فضيلته أن العمل التطوعي قائم على نفع الآخرين (خير الناس أنفعهم للناس) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، العمل التطوعي كما قال ابن القيم رحمه الله قربة عظيمة لرب العالمين، وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين والبر والإحسان للخلق من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل الإحسان إلى الخلق، ولهذا عظم النبي صلى الله عليه وسلم العمل المتعدي النفع للآخرين، وأخبر أنه خير من عمل النافلة ذات النفع الخاص على الشخص المعين، فقال صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولئن أمشي مع مسلم في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في المسجد شهرا).
فانظر النفع المتعدي كما جاء في الحديث إدخال السرور على الآخرين وكشف الكربات وقضاء الديون وإطعام المساكين والمشي في حاجة الناس، الذي عده النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأكثر ثوابا من الاعتكاف في المسجد، وهذا كله يؤكد أهمية العمل التطوعي، إلا إذا كان النفع الخاص من مهمات الإسلام وواجباته..
فهذا الشخص المتطوع والمسؤول مثلا عن أيتام أو مسؤول عن مبتعثين أو مسؤول مصاحف أو مسؤول مواقع أو مساجد، هذا الرجل إذا ذهب واعتكف وترك عمله ربما يترتب على ذلك تقصير في العمل وهذا ما يتحدث به واقع العمل الخيري التطوعي، ولهذا نعود لنؤكد هنا على أهمية العمل المؤسسي والجماعي الذي ينظم مثل هذه الأمور، فإذا أراد مسؤول عن عمل معين أن يذهب لعمل ذي نفع خاص من عمرة أو اعتكاف أو غير ذلك فيمكن لإدارة العمل الخيري أن توكل عمل هذا المستأذن إلى شخص آخر.
دائرة العمل التطوعي واسعة
وقد يظن البعض أن العمل الخيري التطوعي قاصر على الأموال ولا يقدر عليه إلا أصحاب الأموال، لكن كما يقول الشيخ المنجد فإن الإسلام وسع دائرة العمل الخيري التطوعي، بحيث تتسع لجميع من يريد أن يتطوع لنفع الآخرين، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أبواب الصدقات والعمل التطوعي التكبير والتسبيح والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإماطة الأذى عن الطريق، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وتسعى بشدة ذراعيك مع الضعيف ونصر المظلوم وغير ذلك من أعمال الخير، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنك إذا قمت في الصباح وعدلت بين اثنين أو أعنت رجلا على دابته كل ذلك من الصدقات العظيمة.
(لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة بسبب شجرة رفعها من الطريق كانت تؤذي الناس) (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله). (الذي يخلف الغازي في أهله بخير فقد غزا) وفي القرآن الكريم: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148]، {ويسارعون في الخيرات} [آل عمران: 114] ` [الأنبياء: 73]، {ومنهم سابقِ بالخيرات} [فاطر: 32].
فالعمل التطوعي عمل عظيم يقدم الإنسان به لنفسه في القبر والدار الآخرة فضلا عن الذكر الحسن في الدنيا، هناك أناس يموتون لكن ما ماتت أفعالهم.
مات قوم وما ماتت مكارمهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات
يقول ابن عباس - رضي الله عنه - (لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرا أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حجة)، ويقول الحسن البصري: (لأن أقضي حاجة لأخ أحب إلي من أن أصلي ألف ركعة). فينبغي إذن أن نهتم بالعمل الخيري التطوعي الذي يتعدى نفعه الآخرين ولا ينقطع أجره في دنيا فاعله فضلا عما ينتظره في الآخرة من الأجر والخير العظيم.. فالعمل في هذا الميدان عمل متسع للجميع حتى الذين يتطوعون بالرأي والمشورة يسهمون ولهم الأجر إن شاء الله.
وهنا مسألة
وحول ما إذا كان هناك تعارض بين العمل التطوعي والعمل الأساسي الذي يتقاضي عليه الشخص أجرا أكد الشيخ المنجد أن مثل هذا الشخص لا بد أن يؤدي العمل الذي عليه لأنه يأخذ عنه أجرا، والعمل التطوعي لايقدم على العمل الأساسي إلا بإذن وشروط معينة، والمسلم عنده وقت فراغ كبير وهذا هو الذي يوظفه للأعمال التطوعية، ويمكن أداء العمل التطوعي خلال ساعة واحدة في اليوم قد تزيد أو تنقص بحسب أحوال وظروف الشخص المعين.
وتعلم أن هناك مؤسسات في الدول الأخرى وخصوصا الغربية تعمل في الأعمال الإنسانية وهذه المؤسسات كل الذين يعملون فيها حتى الحارس متطوعون، وقد يصل عددهم عشرة آلاف شخص وهؤلاء لا يأخذون أجرة على عملهم التطوعي ما عدا المدير أو المديرة؛ لأنه متفرغ فإنه يأخذ أجرة على عمله، وهذا تنظيم دقيق للعمل التطوعي. وهنا مسألة وهي أن الأعمال التي يأخذ الإنسان عليها أجرا ماديا له أجر فيها بالنية الحسنة، فقد رأى الصحابة رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان جلدا نشيطا في عمل كلف به فقال البعض عن الرجل لو أن عمل هذا كان في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كان يخرج يسعى لأبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أولاده فهو في سبيل الله وإن يخرج يسعى على نفسه يكفها عن السؤال فهو في سبيل الله). إذن العمل الذي تأخذ عليه أجرة هذا فيه أجر إذا نوى به وجه الله ففي الإسلام الأجر والثواب واسع والذي لا يسعفه جهده ووقته للعمل التطوعي فلن يحرم الثواب من عمله الذي يؤديه في أي مكان طالما أنه نوى بذلك وجه الله ونوى خدمة بلده أو أهله أو أولاده أو نفسه.. فالنية لها دور كبير في تحصيل الثواب، فهذا الذي يعمل في الأعمال التطوعية وربما أراد منها السمعة والظهور ولم يرد وجه الله فكيف ينتظر هذا الثواب والأجر؟ فعلى المسلم أن يصحح نيته وأن ينوي وجه الله سواء كان عملا بأجر أو عملا تطوعيا.
مجالات العمل الخيري كثيرة
وردا على من يعتقد أن العمل الخيري التطوعي يقتصر على العمل الاجتماعي فقط، قال الشيخ المنجد: إنه لا يمكن حصر العمل التطوعي في مجال واحد، بل الميادين متعددة فمن أعظم المجالات هنا هو من تعلم القرآن وعلمه، وتعليم العلم الشرعي وغير ذلك من المجالات، وكما ذكرنا من قبل العمل مع الأيتام ومع المسنين والعمل الدعوي وحتى العمل الفكري يشمله التطوع ويدخل ضمن مجالات العمل الخيري الذي يجد فيه المسلم فرصته لبذل الجهد والوقت تطوعا واحتسابا لوجه الله.
العمل التطوعي عن الآخرين
وللذين يستكثرون العمل الخيري في البلدان العربية والإسلامية ويعتقدون أن الجمعيات والمؤسسات الخيرية أو حتى العمل التطوعي الفردي قد كثر وزاد عن حده وزاد عن المطلوب؛ إلى مثل هؤلاء يؤكد فضيلة الشيخ أن العمل الخيري التطوعي ضعيف في العالم العربي والإسلامي ولا يكاد يستوعب الاحتياجات أو يغطي المجالات المطلوبة، سواء كانت علمية أو فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو حتى إغاثية، ويقارن فضيلته حجم العمل التطوعي في عالمنا العربي والإسلامي ونظيره في العالم الغربي، فيشير إلى أن العمل التطوعي نما في دول الغرب نموا كبيرا مع أن القوم لا يتعاملون طلبا للآخرة والجنة مثل المسلم، ففي الولايات المتحدة وحدها يوجد مليون وأربعمائة ألف جمعية خيرية يقوم العمل فيها على التطوع الكامل، وهذه الجمعيات تستوعب 9% من العمالة وتسهم في 6% من الناتج المحلي، وفي بريطانيا توجد نحو (350) ألف جمعية خيرية تطوعية يفوق دخلها 17 بليون جنية أسترليني تسهم بـ 4% من الناتج المحلي وتسوعب 4% من السكان، هذا الحجم من العمل التطوعي عند قوم لا يرجون اليوم الآخر وكل سعيهم للدنيا، فإذا سألت الواحد منهم لماذا انخرط في العمل التطوعي أجابك بأنه يجد سعادته في سعادة الآخرين، أو تجد آخر يقول إنه يحقق ذاته من خلال العمل التطوعي، أو تجد ثالث يقول لك: إنه يطور مهاراته بالعمل التطوعي والاتصال بالآخرين.
نحن المسلمين ما زال عندنا تأخر كبير في العمل الخيري التطوعي وما زال حجم هذا العمل ضعيفا جدا مع أن المسلمين يؤمنون باليوم الآخر وينتظرون بأعمالهم رضا الله ودخول الجنة..
العمل التطوعي عند المسلمين لا ينقطع وكل مسلم عنده عمل تطوعي فحتى النوافل من العبادات هي عمل تطوعي لكن المقصود هو الأعمال التطوعية التي تعود بالنفع على الآخرين؛ والتي يتعدى نفعها الفرد نفسه، نريد أعمالا تطوعية تسهم في حل مشكلات الآخرين سواء كانت مجتمعات أو أفرادا، نريد أن تكون هناك مبادرات لكشف الكربات وتقديم المساعدات وتفريج الهمم، وحل المشكلات، وتوفير الاحتياجات.. لا بد أن تتنوع اهتماماتنا ونحن نقدم على العمل التطوعي ولا نحصره في جانب واحد فقط، المطلوب هو أن نصحح النية ونحتسب لوجه الله ولا ينبغي أن تكون اهتماماتنا ونحن ننفق أعمال الخير وجهود الأفراد والمؤسسات مثل اهتمامات الغربيين الذين قد يجعلون الإنفاق على الحيوانات يتقدم كل الأعمال التطوعية حتى العمل الموجه للمسنين، فقد وجد عندهم أن العمل التطوعي والإنفاق المادي على الكلاب والحيوانات 29% بينما لا يتعدى العمل التطوعي وسط المسنين نسبة 9%!!
(مجلة الدعوة)
متابعة - سليمان الصالح
قد يتصور البعض أن العمل الخيري التطوعي في عالمنا العربي والإسلامي حجمه كبير ويغطي كل المجالات أو أكثرها ويفي باحتياجات المسلمين، لكن الواقع يقول بغير ذلك، بل الأمر أن المجتمعات العربية والإسلامية تعد متخلفة في العمل التطوعي عن الدول الغربية، هذا على الرغم من أن المسلمين يرجون الآخرة ويطلبون جنة ربهم.
هذه الحقائق ذكرها فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد الداعية المعروف ضمن محاضرته القيمة حول العمل التطوعي والمشاركة فيه، وقد بين فضيلته أهمية العمل التطوعي في خدمة المجتمعات المسلمة ودوره في حل الكثير من مشكلات المسلمين، مؤكدا أن المشاركة في أعمال التطوع مطلب شرعي وهو متعدد المجالات ولا يمكن حصره في مجال واحد، ناصحا الشباب بالانخراط في مثل هذه الأعمال التي تتعدى بنفعها الشخص القائم به.
خطورة العمل الفردي
منذ البداية يكشف فضيلة الشيخ المنجد عن حقيقة مرة موجودة في ميدان العمل الخيري التطوعي وهو العمل الفردي، حيث يوضح أن العمل الفردي في هذا الميدان كثيرا، ما يشكل عنصر إعاقة لهذا العمل وخصوصا إذا لم يكن المتطوع مؤهلا لهذا العمل فضلا أن ارتباط العمل الخيري بشخص واحد ربما أضاع الكثير من الحقوق، فكم من الأموال والأوقاف ضاعت بسبب موت القائم بالعمل الخيري، حيث لا يعلم بهذه الجهود إلا الشخص نفسه، فكثير من الأعمال عرضة للضياع بسبب الفردية في العمل الخيري وهذا ما يؤكد أهمية العمل المؤسسي والجماعي في هذا الميدان لأنه يخضع لإدارة ونظام ومراقبة.
العمل التطوعي ونفع الآخرين
ويوضح فضيلته أن العمل التطوعي قائم على نفع الآخرين (خير الناس أنفعهم للناس) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، العمل التطوعي كما قال ابن القيم رحمه الله قربة عظيمة لرب العالمين، وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين والبر والإحسان للخلق من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل الإحسان إلى الخلق، ولهذا عظم النبي صلى الله عليه وسلم العمل المتعدي النفع للآخرين، وأخبر أنه خير من عمل النافلة ذات النفع الخاص على الشخص المعين، فقال صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولئن أمشي مع مسلم في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في المسجد شهرا).
فانظر النفع المتعدي كما جاء في الحديث إدخال السرور على الآخرين وكشف الكربات وقضاء الديون وإطعام المساكين والمشي في حاجة الناس، الذي عده النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأكثر ثوابا من الاعتكاف في المسجد، وهذا كله يؤكد أهمية العمل التطوعي، إلا إذا كان النفع الخاص من مهمات الإسلام وواجباته..
فهذا الشخص المتطوع والمسؤول مثلا عن أيتام أو مسؤول عن مبتعثين أو مسؤول مصاحف أو مسؤول مواقع أو مساجد، هذا الرجل إذا ذهب واعتكف وترك عمله ربما يترتب على ذلك تقصير في العمل وهذا ما يتحدث به واقع العمل الخيري التطوعي، ولهذا نعود لنؤكد هنا على أهمية العمل المؤسسي والجماعي الذي ينظم مثل هذه الأمور، فإذا أراد مسؤول عن عمل معين أن يذهب لعمل ذي نفع خاص من عمرة أو اعتكاف أو غير ذلك فيمكن لإدارة العمل الخيري أن توكل عمل هذا المستأذن إلى شخص آخر.
دائرة العمل التطوعي واسعة
وقد يظن البعض أن العمل الخيري التطوعي قاصر على الأموال ولا يقدر عليه إلا أصحاب الأموال، لكن كما يقول الشيخ المنجد فإن الإسلام وسع دائرة العمل الخيري التطوعي، بحيث تتسع لجميع من يريد أن يتطوع لنفع الآخرين، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أبواب الصدقات والعمل التطوعي التكبير والتسبيح والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإماطة الأذى عن الطريق، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وتسعى بشدة ذراعيك مع الضعيف ونصر المظلوم وغير ذلك من أعمال الخير، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنك إذا قمت في الصباح وعدلت بين اثنين أو أعنت رجلا على دابته كل ذلك من الصدقات العظيمة.
(لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة بسبب شجرة رفعها من الطريق كانت تؤذي الناس) (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله). (الذي يخلف الغازي في أهله بخير فقد غزا) وفي القرآن الكريم: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148]، {ويسارعون في الخيرات} [آل عمران: 114] ` [الأنبياء: 73]، {ومنهم سابقِ بالخيرات} [فاطر: 32].
فالعمل التطوعي عمل عظيم يقدم الإنسان به لنفسه في القبر والدار الآخرة فضلا عن الذكر الحسن في الدنيا، هناك أناس يموتون لكن ما ماتت أفعالهم.
مات قوم وما ماتت مكارمهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات
يقول ابن عباس - رضي الله عنه - (لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرا أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حجة)، ويقول الحسن البصري: (لأن أقضي حاجة لأخ أحب إلي من أن أصلي ألف ركعة). فينبغي إذن أن نهتم بالعمل الخيري التطوعي الذي يتعدى نفعه الآخرين ولا ينقطع أجره في دنيا فاعله فضلا عما ينتظره في الآخرة من الأجر والخير العظيم.. فالعمل في هذا الميدان عمل متسع للجميع حتى الذين يتطوعون بالرأي والمشورة يسهمون ولهم الأجر إن شاء الله.
وهنا مسألة
وحول ما إذا كان هناك تعارض بين العمل التطوعي والعمل الأساسي الذي يتقاضي عليه الشخص أجرا أكد الشيخ المنجد أن مثل هذا الشخص لا بد أن يؤدي العمل الذي عليه لأنه يأخذ عنه أجرا، والعمل التطوعي لايقدم على العمل الأساسي إلا بإذن وشروط معينة، والمسلم عنده وقت فراغ كبير وهذا هو الذي يوظفه للأعمال التطوعية، ويمكن أداء العمل التطوعي خلال ساعة واحدة في اليوم قد تزيد أو تنقص بحسب أحوال وظروف الشخص المعين.
وتعلم أن هناك مؤسسات في الدول الأخرى وخصوصا الغربية تعمل في الأعمال الإنسانية وهذه المؤسسات كل الذين يعملون فيها حتى الحارس متطوعون، وقد يصل عددهم عشرة آلاف شخص وهؤلاء لا يأخذون أجرة على عملهم التطوعي ما عدا المدير أو المديرة؛ لأنه متفرغ فإنه يأخذ أجرة على عمله، وهذا تنظيم دقيق للعمل التطوعي. وهنا مسألة وهي أن الأعمال التي يأخذ الإنسان عليها أجرا ماديا له أجر فيها بالنية الحسنة، فقد رأى الصحابة رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان جلدا نشيطا في عمل كلف به فقال البعض عن الرجل لو أن عمل هذا كان في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كان يخرج يسعى لأبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أولاده فهو في سبيل الله وإن يخرج يسعى على نفسه يكفها عن السؤال فهو في سبيل الله). إذن العمل الذي تأخذ عليه أجرة هذا فيه أجر إذا نوى به وجه الله ففي الإسلام الأجر والثواب واسع والذي لا يسعفه جهده ووقته للعمل التطوعي فلن يحرم الثواب من عمله الذي يؤديه في أي مكان طالما أنه نوى بذلك وجه الله ونوى خدمة بلده أو أهله أو أولاده أو نفسه.. فالنية لها دور كبير في تحصيل الثواب، فهذا الذي يعمل في الأعمال التطوعية وربما أراد منها السمعة والظهور ولم يرد وجه الله فكيف ينتظر هذا الثواب والأجر؟ فعلى المسلم أن يصحح نيته وأن ينوي وجه الله سواء كان عملا بأجر أو عملا تطوعيا.
مجالات العمل الخيري كثيرة
وردا على من يعتقد أن العمل الخيري التطوعي يقتصر على العمل الاجتماعي فقط، قال الشيخ المنجد: إنه لا يمكن حصر العمل التطوعي في مجال واحد، بل الميادين متعددة فمن أعظم المجالات هنا هو من تعلم القرآن وعلمه، وتعليم العلم الشرعي وغير ذلك من المجالات، وكما ذكرنا من قبل العمل مع الأيتام ومع المسنين والعمل الدعوي وحتى العمل الفكري يشمله التطوع ويدخل ضمن مجالات العمل الخيري الذي يجد فيه المسلم فرصته لبذل الجهد والوقت تطوعا واحتسابا لوجه الله.
العمل التطوعي عن الآخرين
وللذين يستكثرون العمل الخيري في البلدان العربية والإسلامية ويعتقدون أن الجمعيات والمؤسسات الخيرية أو حتى العمل التطوعي الفردي قد كثر وزاد عن حده وزاد عن المطلوب؛ إلى مثل هؤلاء يؤكد فضيلة الشيخ أن العمل الخيري التطوعي ضعيف في العالم العربي والإسلامي ولا يكاد يستوعب الاحتياجات أو يغطي المجالات المطلوبة، سواء كانت علمية أو فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو حتى إغاثية، ويقارن فضيلته حجم العمل التطوعي في عالمنا العربي والإسلامي ونظيره في العالم الغربي، فيشير إلى أن العمل التطوعي نما في دول الغرب نموا كبيرا مع أن القوم لا يتعاملون طلبا للآخرة والجنة مثل المسلم، ففي الولايات المتحدة وحدها يوجد مليون وأربعمائة ألف جمعية خيرية يقوم العمل فيها على التطوع الكامل، وهذه الجمعيات تستوعب 9% من العمالة وتسهم في 6% من الناتج المحلي، وفي بريطانيا توجد نحو (350) ألف جمعية خيرية تطوعية يفوق دخلها 17 بليون جنية أسترليني تسهم بـ 4% من الناتج المحلي وتسوعب 4% من السكان، هذا الحجم من العمل التطوعي عند قوم لا يرجون اليوم الآخر وكل سعيهم للدنيا، فإذا سألت الواحد منهم لماذا انخرط في العمل التطوعي أجابك بأنه يجد سعادته في سعادة الآخرين، أو تجد آخر يقول إنه يحقق ذاته من خلال العمل التطوعي، أو تجد ثالث يقول لك: إنه يطور مهاراته بالعمل التطوعي والاتصال بالآخرين.
نحن المسلمين ما زال عندنا تأخر كبير في العمل الخيري التطوعي وما زال حجم هذا العمل ضعيفا جدا مع أن المسلمين يؤمنون باليوم الآخر وينتظرون بأعمالهم رضا الله ودخول الجنة..
العمل التطوعي عند المسلمين لا ينقطع وكل مسلم عنده عمل تطوعي فحتى النوافل من العبادات هي عمل تطوعي لكن المقصود هو الأعمال التطوعية التي تعود بالنفع على الآخرين؛ والتي يتعدى نفعها الفرد نفسه، نريد أعمالا تطوعية تسهم في حل مشكلات الآخرين سواء كانت مجتمعات أو أفرادا، نريد أن تكون هناك مبادرات لكشف الكربات وتقديم المساعدات وتفريج الهمم، وحل المشكلات، وتوفير الاحتياجات.. لا بد أن تتنوع اهتماماتنا ونحن نقدم على العمل التطوعي ولا نحصره في جانب واحد فقط، المطلوب هو أن نصحح النية ونحتسب لوجه الله ولا ينبغي أن تكون اهتماماتنا ونحن ننفق أعمال الخير وجهود الأفراد والمؤسسات مثل اهتمامات الغربيين الذين قد يجعلون الإنفاق على الحيوانات يتقدم كل الأعمال التطوعية حتى العمل الموجه للمسنين، فقد وجد عندهم أن العمل التطوعي والإنفاق المادي على الكلاب والحيوانات 29% بينما لا يتعدى العمل التطوعي وسط المسنين نسبة 9%!!
(مجلة الدعوة)