طلحة الدهلوي
03-19-2007, 02:52 AM
قمة مكة: مأساة باكستان.. شاهد على خطيئة تجفيف منابع العمل الخيري
«إن الحرب المالية على الإرهاب اتسمت بالتشويش والتخبط»... الأمانة العامة للأمم المتحدة من تقرير لها عام 2002.
هذا اعتراف صريح أمين: لكنه لم يقترن بـ (آليات تطبيقية): تزيل التشويش والتخبط المذكورين، بدليل أن كوفي عنان حيث طلب من العالم الإسلامي. تقديم العون الإغاثي المجزي لعضو فيه هو باكستان. لم تكن الاستجابة للنداء واسعة، ولا قوية، ولا سريعة... لماذا؟... لأن (أغلالا) غليظة قاسية قد (قيدت) العمل الخيري الإنساني في العالم الإسلامي: تقييدا جعله كسيحا.. هامدا أو فاقدا للحركة. فأنى يستجاب لنداء عنان؟! شلَّ يُمناه عن بذل وقال له: انقذ أخاك ـ بإحسان ـ على عجل!!
منذ باشر الفاعلون تلك الفتنة التي لم تصب الذين ظلموا منهم خاصة، بل امتدت بآثارها المدمرة إلى مسلمي العالم أجمعين... «منذ فتنة» 11 سبتمبر 2001، توجهت سهام الاتهام والتجريم والتشويه والحرق إلى العمل الخيري الإنساني في عالم المسلمين. وقد بدا الأمر وكأن الحملة المجنونة على هذا النوع من العمل قد كشفت (حقدا مركوما): تراكم عبر السنين، ثم وجد الفرصة ليتفجر جملة واحدة، وبفجور: تحلل من كل التزام قانوني وحضاري وأخلاقي وإنساني.. وليس عدلا ولا عقلا: ان نلوم خصوم العمل الخيري الإنساني الإسلامي وحدهم. بل اللوم والتجريم يجب أن يتوجها ـ قبلا ـ إلى مسلمين فتحوا ذرائع الشر والخسران على أمتهم، وأحلوا قومهم دار البوار، وحرموا ملايين الجياع والعراة والمرضى والمشردين من اللقمة والكسوة والدواء والمأوى.. وكأنهم يقولون ـ بلسان فعلهم ـ: قد قررنا الاعراض عن هدى الله. فالله يقول: «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة».. في حين نقول نحن: سنباشر الفتنة التي تصيب المسلمين كافة.. وقد فعلنا!!
في الطرف الآخر: هناك (غيبوبة العقل والضمير أيضا).. فلم تكد تلك الطامة تقع، حتى انخرض الناس في تفسيرات أسباب الإرهاب ودوافعه.. ومن أظهر التفسيرات التي انتشرت وسادت: تفسير أن (الفقر) هو من أقوى أسباب وجود الإرهاب وانتشاره.. والمفارقة الهائلة ـ ها هنا ـ: ان الذين يقولون بهذا التفسير هم أنفسهم الذين (يكافحون) بالليل والنهار، سرا وعلانية في سبيل (تجفيف منابع العمل الخيري في العالم الاسلامي، اي يكافحون من أجل استدامة الفقر الذي هو من أهم أسباب الارهاب في تفسيرهم)، وتوسيع دائرته، وتصعيد معدلاته، في حين أن المنطق العملي لهذا التفسير يقضي بزيادة معدلات العمل الخيري الإنساني لكي يسهم في تقليص مساحات الفقر، فينتفي من ثم، أو تقل حدة دافع من دوافع الارهاب وهو: قسوة الجوع، وكآبة المنظر في الأهل والولد.
وقد يتفشى ناسا من الناس عجب فيقولون: ما أهمية موضوع جزئي (العمل الخيري الإنساني)؟ وما مكانته وأولويته بين (القضايا الكبرى) التي تصطفق وتتزاحم في أفق الكوكب وعلى أرضه في هذه الظروف؟.. والجواب مركب من أربعة: أولها: أن العمل الخيري الانساني ليس أمرا جزئيا، لا ثانويا. بل هو قضية كبرى أيضا. فالقضايا بـ (قيمتها الذاتية) ـ لا بالدوي السياسي والاعلامي حولها ـ وبمقدار ما تقدمه للإنسان من عطاء وعون وخير ترتقي بمستواه المعنوي والمادي.. ونحسب أن الجدل منتصف حول المنافع الكثر التي يبديها العمل الخيري للإنسان ولا سيما في عالم اشتد فيه التفاوت بين الفقراء والأغنياء، وعالم بهذه الصفة: لن يهنأ بالاستقرار الحلو الممتع في ظل هذا التفاوت... ثانيها: أن العمل الخيري الإنساني (مكون) أساس من مكونات (المجتمع المدني) الذي لا يكاد الحديث عنه يتوقف أو يفتر في المنتديات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وفي وسائل الاعلام.. ثالثها: ان العمل الخيري الانساني، لما كان عملا (غير سري)، وغير (قابل للنقض) من حيث مسؤولية البذل والعطاء وإغاثة الملهوف، ومن حيث وجود فقراء مكروبين ـ مسلمين وغير مسلمين ـ لما كان العمل الخيري بهذا المفهوم: تعين تناوله بما يستحق من اهتمام وطرق ومعالجة، فهو (ٍقضية رأي): وطني وإقليمي وعالمي.. رابعها: ان العمل الخيري قد زج به في أتون معمعة الحرب على الارهاب، وبطريقة توحي وكأن تدميره هدف مقصود (العمل الخيري الإسلامي طبعا).. وفي تنبيه الأمم المتحدة: «ان الحرب المالية على الارهاب اتسمت بالتخبط والتشويش».. في هذا التنبيه تلميحات ومضامين يمكن تفسيرها بأن التخبط والتشويش قد أحاطا بالعمل الخيري الاسلامي خاصة، اذ الأعمال الخيرية لدى الأمم الأخرى لم يمسسها سوء، ولم ينلها تخبط ولا تشويش... لهذه الحقائق أو الوقائع الأربع: يُعد الحديث عن العمل الخيري الإنساني (الإسلامي قضية كبرى)، لا قضية جزئية، أولا ثانوية ولا هامشية.. وخامسة جميلة وهي: ان اقتحام عقبة التخلف، وتنمية العوائق من طريق التقدم نحو الله.. ذلك كله مشروط بـ (عمل انساني عظيم ناجز): يرقى بمستويات المستضعفين والايتام والمساكين ـ ومن في حكمهم ـ: «فلا اقتحم العقبة. وما ادراك ما العقبة. فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالمرحمة».. وهذا قرآن نزل في مكة حيث تنعقد القمة بعد قليل.
لقد ضرب باكستان: زلزال ساحق ماحق: قتل فيه عشرات الالوف، وجرح مئات الالوف وشرد الملايين.. وعلى الرغم من هول الكارثة، فان العون المقدم للمنكوبين لا يكاد يبلغ %5 مما هو مطلوب ولقد ظهر العالم الاسلامي في صورة العاجز البئيس تجاه هذه المصيبة. صحيح ان المملكة العربية السعودية قد نهضت بمسؤوليتها الشعبية والرسمية من حيث التفاعل مع المكروبين، ومن حيث تقديم العون الناجز لهم: النقدي والعيني، وهو عون يذكر بحماقة اتهام السعودية (متلبسة) بالعمل الخيري!!، وبأنه وراء كذا وكذا، كما يذكر بأن هذه اكاذيب ومفتريات ابطلها رجال من ذات القوم، اي رجال امريكيون.. منهم روبرت نيكولز نائب مساعد وزير الخزانة الامريكية اذ قال: «ان التقرير الذي يدعي بان العمل الخيري السعودي يمول الارهاب هو تقرير معيب بصورة خطيرة».
ومنهم: جريج سوليفان: المتحدث باسم مكتب الشرق الأدنى في الخارجية الامريكية. فقد قال: «انه تقرير سطحي ولا يتطابق مع الواقع واني اشعر بالاحباط الشديد من المتطرفين في وسائل الاعلام الذين يفسرون تصرفات الحكومات على الوجه الأسوأ».. ومنهم: ريتشارد ميرفي ـ الدبلوماسي الامريكي المخضرم. فقد قال: «لقد أصبت بالدهشة عند سماع هذا التقرير، فالمعلومات الموجودة فيه تنقصها الدقة والنزاهة».. صحيح ان السعودية نهضت بمسؤولياتها: متجاوزة صغائر المناعين للخير الذين يلتمسون للابرياء العيب. لكن اين بقية العالم الاسلامي؟ ولماذا هو الهمود والركود؟.. (من) اسباب هذا الهمود: ان كثيرا من الحكام وفاعلي الخير في العالم الاسلامي (خافوا) او (تابوا) من فعل الخير، فكفوا عنه حتى لا يتهموا بأنهم ممولون للارهاب.. والخوف الشديد ـ كالتهور الشديد ـ لا يأتي بخير قط. بمعنى ان الخوف الذي يبلغ درجة الهلع لا يتيح الفرصة لحسابات دقيقة ولا لعقلانية ولا لبعد نظر.. وهذا ما وقع فعلا، فقد استجاب حكام كثر في العالم الاسلامي لنصح امريكي ـ خبيث او متهور ـ يقضي بـ (الجهاد) المستمر ضد كل نوع من انواع العمل الخيري. وهذه الاستجابة (قصر نظر) ـ بلا ريب ـ بدليل انهم عندما احتاجوا الى العمل الخيري لدعم باكستان وغيرها: لم يجدوه وبدليل ان الولايات المتحدة نفسها حين ضربتها الاعاصير فتحت ابوابها لتلقي العمل الخيري الانساني من العالم. بيد ان الذين اسرفوا في ايصاد ابواب العمل الخيري في العالم الاسلامي عجزوا عن تقديم العون للشعب الامريكي الذي نكب بالاعاصير.. والعبرة ان على حكام العالم الاسلامي ان يحترموا انفسهم اكثر، ليس بأن يمتنعوا عن قبول اي نصح بإطلاق، ولكن بأن يتفحصوا النصح المقدم اليهم، فيقبلوا ما يتوافق مع قيمهم ومصالحهم ويطرحوا ما يتعارض مع ذلك كـ (تجفيف منابع العمل الخيري والانساني).
ومهما يكن من شأن، فان الاستدراك او الخروج من المأزق ومن سجن (لزوم ما لا يلزم)، ذلك كله يمثل في ان يكون (العمل الخيري الانساني) في مقدمة بنود (اجندة القمة الاسلامية) التي ستنعقد في مكة في ديسمبر المقبل: نعم.. يجب ان ترسم قمة مكة (خريطة للعمل الخيري الاسلامي): وفق المعطيات والمقتضيات الخمسة التي وردت قبل قليل، والتي أكدت ان العمل الخيري الانساني (قضية كبرى): حاضرة ومستقبلة لا قضية جزئية او هامشية.
ولئن كان ما جرى لباكستان مدخلا زمنيا لهذا الموضوع، فان ثمة موجبات اخرى لطرقه بقوة، وطرحه بعمق ومناقشته بشجاعة وشفافية.
من هذه الموجبات (وضع الاطفال) في عالم المسلمين.
ان في عالمنا هذا 2.3 مليار طفل، منهم 600 مليون طفل في العالم الاسلامي، فكيف هي حال هؤلاء الستمائة مليون طفل؟
اصدرت منظمة الطفولة (اليونسيف) المنبثقة من الأمم المتحدة تقريرا ـ بالاشتراك مع منظمة المؤتمر الاسلامي ـ.. وقد انتظم التقرير الحقائق المرة التالية: 600 مليون طفل في العالم الاسلامي يعانون من الفقر والمرض والحرمان من التعليم (باستثناءات قليلة) وانه يوجد في 11 دولة اسلامية اعلى معدلات وفيات الاطفال في العالم.. وانه يموت 4.3 مليون طفل دون سن الخامسة بسبب سوء التغذية ونتيجة لامراض تمكن الوقاية منها.. وان نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية تقل عن %60 في 17 دولة مسلمة عضوا في منظمة المؤتمر الاسلامي.
كيف يمكن الحديث عن (مستقبل مشرق) للعالم الاسلامي في ظل هذه الحقائق المرعبة والارقام المخيفة؟.. ان اطفال اليوم هم مستقبل الغد واذا كان اطفال اليوم فرائس لسوء التغذية والحرمان من التعليم والوفيات، فان المستقبل سيكون مريضا جاهلا ميتا بلا ريب.
وللعمل الخيري الضخم علاقة ايجابية بهذه القضية، فعمل خيري موسع نشط سيسهم بحظٍ وافر في علاج هذه المشكلة بلا شك.
ولكن اي عمل خيري؟.. انه العمل الخيري الانساني المنظم الشفاف المأمون المضبوط بإدارات توسع نطاقه وتنميه من جهة، وتضبط مدخلاته ومخرجات المالية من جهة اخرى: ضبطا لا يسمح بتجاوز ولا استغلال ولا تهريب ولا تسريب.
وهذا أمر مستطاع ـ بحمد الله ـ اذا صدقت النية وصح التخطيط وإلا فإن الاعمال العظيمة لا تهجر بسبب اخطاء اكتنفتها: بخبث او جهالة.
زين العابدين الركابي
(جريدة الشرق الأوسط)
«إن الحرب المالية على الإرهاب اتسمت بالتشويش والتخبط»... الأمانة العامة للأمم المتحدة من تقرير لها عام 2002.
هذا اعتراف صريح أمين: لكنه لم يقترن بـ (آليات تطبيقية): تزيل التشويش والتخبط المذكورين، بدليل أن كوفي عنان حيث طلب من العالم الإسلامي. تقديم العون الإغاثي المجزي لعضو فيه هو باكستان. لم تكن الاستجابة للنداء واسعة، ولا قوية، ولا سريعة... لماذا؟... لأن (أغلالا) غليظة قاسية قد (قيدت) العمل الخيري الإنساني في العالم الإسلامي: تقييدا جعله كسيحا.. هامدا أو فاقدا للحركة. فأنى يستجاب لنداء عنان؟! شلَّ يُمناه عن بذل وقال له: انقذ أخاك ـ بإحسان ـ على عجل!!
منذ باشر الفاعلون تلك الفتنة التي لم تصب الذين ظلموا منهم خاصة، بل امتدت بآثارها المدمرة إلى مسلمي العالم أجمعين... «منذ فتنة» 11 سبتمبر 2001، توجهت سهام الاتهام والتجريم والتشويه والحرق إلى العمل الخيري الإنساني في عالم المسلمين. وقد بدا الأمر وكأن الحملة المجنونة على هذا النوع من العمل قد كشفت (حقدا مركوما): تراكم عبر السنين، ثم وجد الفرصة ليتفجر جملة واحدة، وبفجور: تحلل من كل التزام قانوني وحضاري وأخلاقي وإنساني.. وليس عدلا ولا عقلا: ان نلوم خصوم العمل الخيري الإنساني الإسلامي وحدهم. بل اللوم والتجريم يجب أن يتوجها ـ قبلا ـ إلى مسلمين فتحوا ذرائع الشر والخسران على أمتهم، وأحلوا قومهم دار البوار، وحرموا ملايين الجياع والعراة والمرضى والمشردين من اللقمة والكسوة والدواء والمأوى.. وكأنهم يقولون ـ بلسان فعلهم ـ: قد قررنا الاعراض عن هدى الله. فالله يقول: «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة».. في حين نقول نحن: سنباشر الفتنة التي تصيب المسلمين كافة.. وقد فعلنا!!
في الطرف الآخر: هناك (غيبوبة العقل والضمير أيضا).. فلم تكد تلك الطامة تقع، حتى انخرض الناس في تفسيرات أسباب الإرهاب ودوافعه.. ومن أظهر التفسيرات التي انتشرت وسادت: تفسير أن (الفقر) هو من أقوى أسباب وجود الإرهاب وانتشاره.. والمفارقة الهائلة ـ ها هنا ـ: ان الذين يقولون بهذا التفسير هم أنفسهم الذين (يكافحون) بالليل والنهار، سرا وعلانية في سبيل (تجفيف منابع العمل الخيري في العالم الاسلامي، اي يكافحون من أجل استدامة الفقر الذي هو من أهم أسباب الارهاب في تفسيرهم)، وتوسيع دائرته، وتصعيد معدلاته، في حين أن المنطق العملي لهذا التفسير يقضي بزيادة معدلات العمل الخيري الإنساني لكي يسهم في تقليص مساحات الفقر، فينتفي من ثم، أو تقل حدة دافع من دوافع الارهاب وهو: قسوة الجوع، وكآبة المنظر في الأهل والولد.
وقد يتفشى ناسا من الناس عجب فيقولون: ما أهمية موضوع جزئي (العمل الخيري الإنساني)؟ وما مكانته وأولويته بين (القضايا الكبرى) التي تصطفق وتتزاحم في أفق الكوكب وعلى أرضه في هذه الظروف؟.. والجواب مركب من أربعة: أولها: أن العمل الخيري الانساني ليس أمرا جزئيا، لا ثانويا. بل هو قضية كبرى أيضا. فالقضايا بـ (قيمتها الذاتية) ـ لا بالدوي السياسي والاعلامي حولها ـ وبمقدار ما تقدمه للإنسان من عطاء وعون وخير ترتقي بمستواه المعنوي والمادي.. ونحسب أن الجدل منتصف حول المنافع الكثر التي يبديها العمل الخيري للإنسان ولا سيما في عالم اشتد فيه التفاوت بين الفقراء والأغنياء، وعالم بهذه الصفة: لن يهنأ بالاستقرار الحلو الممتع في ظل هذا التفاوت... ثانيها: أن العمل الخيري الإنساني (مكون) أساس من مكونات (المجتمع المدني) الذي لا يكاد الحديث عنه يتوقف أو يفتر في المنتديات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وفي وسائل الاعلام.. ثالثها: ان العمل الخيري الانساني، لما كان عملا (غير سري)، وغير (قابل للنقض) من حيث مسؤولية البذل والعطاء وإغاثة الملهوف، ومن حيث وجود فقراء مكروبين ـ مسلمين وغير مسلمين ـ لما كان العمل الخيري بهذا المفهوم: تعين تناوله بما يستحق من اهتمام وطرق ومعالجة، فهو (ٍقضية رأي): وطني وإقليمي وعالمي.. رابعها: ان العمل الخيري قد زج به في أتون معمعة الحرب على الارهاب، وبطريقة توحي وكأن تدميره هدف مقصود (العمل الخيري الإسلامي طبعا).. وفي تنبيه الأمم المتحدة: «ان الحرب المالية على الارهاب اتسمت بالتخبط والتشويش».. في هذا التنبيه تلميحات ومضامين يمكن تفسيرها بأن التخبط والتشويش قد أحاطا بالعمل الخيري الاسلامي خاصة، اذ الأعمال الخيرية لدى الأمم الأخرى لم يمسسها سوء، ولم ينلها تخبط ولا تشويش... لهذه الحقائق أو الوقائع الأربع: يُعد الحديث عن العمل الخيري الإنساني (الإسلامي قضية كبرى)، لا قضية جزئية، أولا ثانوية ولا هامشية.. وخامسة جميلة وهي: ان اقتحام عقبة التخلف، وتنمية العوائق من طريق التقدم نحو الله.. ذلك كله مشروط بـ (عمل انساني عظيم ناجز): يرقى بمستويات المستضعفين والايتام والمساكين ـ ومن في حكمهم ـ: «فلا اقتحم العقبة. وما ادراك ما العقبة. فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالمرحمة».. وهذا قرآن نزل في مكة حيث تنعقد القمة بعد قليل.
لقد ضرب باكستان: زلزال ساحق ماحق: قتل فيه عشرات الالوف، وجرح مئات الالوف وشرد الملايين.. وعلى الرغم من هول الكارثة، فان العون المقدم للمنكوبين لا يكاد يبلغ %5 مما هو مطلوب ولقد ظهر العالم الاسلامي في صورة العاجز البئيس تجاه هذه المصيبة. صحيح ان المملكة العربية السعودية قد نهضت بمسؤوليتها الشعبية والرسمية من حيث التفاعل مع المكروبين، ومن حيث تقديم العون الناجز لهم: النقدي والعيني، وهو عون يذكر بحماقة اتهام السعودية (متلبسة) بالعمل الخيري!!، وبأنه وراء كذا وكذا، كما يذكر بأن هذه اكاذيب ومفتريات ابطلها رجال من ذات القوم، اي رجال امريكيون.. منهم روبرت نيكولز نائب مساعد وزير الخزانة الامريكية اذ قال: «ان التقرير الذي يدعي بان العمل الخيري السعودي يمول الارهاب هو تقرير معيب بصورة خطيرة».
ومنهم: جريج سوليفان: المتحدث باسم مكتب الشرق الأدنى في الخارجية الامريكية. فقد قال: «انه تقرير سطحي ولا يتطابق مع الواقع واني اشعر بالاحباط الشديد من المتطرفين في وسائل الاعلام الذين يفسرون تصرفات الحكومات على الوجه الأسوأ».. ومنهم: ريتشارد ميرفي ـ الدبلوماسي الامريكي المخضرم. فقد قال: «لقد أصبت بالدهشة عند سماع هذا التقرير، فالمعلومات الموجودة فيه تنقصها الدقة والنزاهة».. صحيح ان السعودية نهضت بمسؤولياتها: متجاوزة صغائر المناعين للخير الذين يلتمسون للابرياء العيب. لكن اين بقية العالم الاسلامي؟ ولماذا هو الهمود والركود؟.. (من) اسباب هذا الهمود: ان كثيرا من الحكام وفاعلي الخير في العالم الاسلامي (خافوا) او (تابوا) من فعل الخير، فكفوا عنه حتى لا يتهموا بأنهم ممولون للارهاب.. والخوف الشديد ـ كالتهور الشديد ـ لا يأتي بخير قط. بمعنى ان الخوف الذي يبلغ درجة الهلع لا يتيح الفرصة لحسابات دقيقة ولا لعقلانية ولا لبعد نظر.. وهذا ما وقع فعلا، فقد استجاب حكام كثر في العالم الاسلامي لنصح امريكي ـ خبيث او متهور ـ يقضي بـ (الجهاد) المستمر ضد كل نوع من انواع العمل الخيري. وهذه الاستجابة (قصر نظر) ـ بلا ريب ـ بدليل انهم عندما احتاجوا الى العمل الخيري لدعم باكستان وغيرها: لم يجدوه وبدليل ان الولايات المتحدة نفسها حين ضربتها الاعاصير فتحت ابوابها لتلقي العمل الخيري الانساني من العالم. بيد ان الذين اسرفوا في ايصاد ابواب العمل الخيري في العالم الاسلامي عجزوا عن تقديم العون للشعب الامريكي الذي نكب بالاعاصير.. والعبرة ان على حكام العالم الاسلامي ان يحترموا انفسهم اكثر، ليس بأن يمتنعوا عن قبول اي نصح بإطلاق، ولكن بأن يتفحصوا النصح المقدم اليهم، فيقبلوا ما يتوافق مع قيمهم ومصالحهم ويطرحوا ما يتعارض مع ذلك كـ (تجفيف منابع العمل الخيري والانساني).
ومهما يكن من شأن، فان الاستدراك او الخروج من المأزق ومن سجن (لزوم ما لا يلزم)، ذلك كله يمثل في ان يكون (العمل الخيري الانساني) في مقدمة بنود (اجندة القمة الاسلامية) التي ستنعقد في مكة في ديسمبر المقبل: نعم.. يجب ان ترسم قمة مكة (خريطة للعمل الخيري الاسلامي): وفق المعطيات والمقتضيات الخمسة التي وردت قبل قليل، والتي أكدت ان العمل الخيري الانساني (قضية كبرى): حاضرة ومستقبلة لا قضية جزئية او هامشية.
ولئن كان ما جرى لباكستان مدخلا زمنيا لهذا الموضوع، فان ثمة موجبات اخرى لطرقه بقوة، وطرحه بعمق ومناقشته بشجاعة وشفافية.
من هذه الموجبات (وضع الاطفال) في عالم المسلمين.
ان في عالمنا هذا 2.3 مليار طفل، منهم 600 مليون طفل في العالم الاسلامي، فكيف هي حال هؤلاء الستمائة مليون طفل؟
اصدرت منظمة الطفولة (اليونسيف) المنبثقة من الأمم المتحدة تقريرا ـ بالاشتراك مع منظمة المؤتمر الاسلامي ـ.. وقد انتظم التقرير الحقائق المرة التالية: 600 مليون طفل في العالم الاسلامي يعانون من الفقر والمرض والحرمان من التعليم (باستثناءات قليلة) وانه يوجد في 11 دولة اسلامية اعلى معدلات وفيات الاطفال في العالم.. وانه يموت 4.3 مليون طفل دون سن الخامسة بسبب سوء التغذية ونتيجة لامراض تمكن الوقاية منها.. وان نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية تقل عن %60 في 17 دولة مسلمة عضوا في منظمة المؤتمر الاسلامي.
كيف يمكن الحديث عن (مستقبل مشرق) للعالم الاسلامي في ظل هذه الحقائق المرعبة والارقام المخيفة؟.. ان اطفال اليوم هم مستقبل الغد واذا كان اطفال اليوم فرائس لسوء التغذية والحرمان من التعليم والوفيات، فان المستقبل سيكون مريضا جاهلا ميتا بلا ريب.
وللعمل الخيري الضخم علاقة ايجابية بهذه القضية، فعمل خيري موسع نشط سيسهم بحظٍ وافر في علاج هذه المشكلة بلا شك.
ولكن اي عمل خيري؟.. انه العمل الخيري الانساني المنظم الشفاف المأمون المضبوط بإدارات توسع نطاقه وتنميه من جهة، وتضبط مدخلاته ومخرجات المالية من جهة اخرى: ضبطا لا يسمح بتجاوز ولا استغلال ولا تهريب ولا تسريب.
وهذا أمر مستطاع ـ بحمد الله ـ اذا صدقت النية وصح التخطيط وإلا فإن الاعمال العظيمة لا تهجر بسبب اخطاء اكتنفتها: بخبث او جهالة.
زين العابدين الركابي
(جريدة الشرق الأوسط)