طلحة الدهلوي
03-15-2007, 03:20 AM
تعدد مصارف الأوقاف والأعمال الخيرية·· نفع للمجتمعات الإسلامية
المشايخ والدعاة يؤ?دون لـ (الدعوة): تعدد مصارف الأوقاف والأعمال الخيرية.. نفع للمجتمعات الإسلامية الشيخ علي الشبل: الوقف على المشافي والمعاهد والمدارس وال?ليات والجامعات ودور التعليم من صور الوقف الخيري الشيخ عبدالسلام الشويعر: المتتبع لصيغ الوقف في القرون الماضية يجد تنوعا عجيبا د. محمد النجيمي: الوقف الجماعي قد ي?ون الأفضل في وقتنا الحاضر د. يحيى العمري: يتفاوت فضل الأعمال الخيرية بحسب الأشخاص والأزمان المشاركون في التحقيق الشيخ علي بن عبدالعزيز الشبل أستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الشيخ الدكتور عبدالسلام بن محمد الشويعر الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية - قسم العلوم الشرعية الدكتور محمد بن يحيى النجيمي الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية وبالمعهد العالي للقضاء والخبير في المجمع الفقهي الدولي الإسلامي بجدة الدكتور يحيى بن علي العمري عضو هيئة التدريس - بكلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الشيخ قاسم بن صديق الطوهري عضو هيئة التحقيق والادعاء العام وإمام مسجد الراجحي بحي الروابي بالرياض الشيخ عبدالله بن سعود الحربي أستاذ العلوم الشرعية في ثانوية أبي عمر البصيري لتحفيظ القرآن تحقيق - د. عقيل العقيل: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مما يبقى للمرء بعد موته صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له. ولا شك أن المرء بحاجة ماسة أن يعمل ما استطاع من أعمال ينفعه الله بها في حياته وتبقى بعد موته. والمسلمون يتنافسون في هذه الأعمال، ويتسابقون إليها وهذا دأبهم والحمد لله، ولكن الملاحظ على البعض حصر هذه الأعمال الخيرية - وقفا أو غيره - حصرها في أمور معينة دون الأمور الأخرى رغم حاجة الناس الماسة إليها خاصة في هذه الأزمنة. وقد تحدث لـ (الدعوة) مجموعة من المشايخ مبينين أهمية تنويع مصارف الأوقاف والأعمال الخيرية وأهمية الشمولية في ذلك ومراعاة حال الناس والبلدان وما يكونوا بحاجة إليه أكثر من غيرهم. مجالات رحبة في البداية تحدث الشيخ علي بن عبدالعزيز الشبل - أستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين فقال: إن من مآثر الإسلام وسماحته على الناس مأثرة الوقف الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم ومضى عليه الصحابة رضي الله عنهم، حيث لم يكن لأحدهم مال إلا وأوقف منه، وما زال عليه عمل المسلمين جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن. وما زالت ولله الحمد هذه السنة جارية ومعمول بها في بلادنا وبلاد المسلمين، ولكن أكثر الأوقاف وما يبذله المسلمون يكون في عمارة المساجد - وهذا وإن كان خيرا عظيما - لكن ثمة أبواب من أعمال الخير والبر والمعروف والإحسان من المناسب الالتفات إليها وعدم إغفالها، تنويعا لأعمال الخير، وتوسيعا لمصادر النفع والإحسان وإغناء للمجتمع المسلم، وفي هذا المقام أذكر بأنواع وصور من مصارف الأوقاف وأعمال البر توجيها لإخواني المسلمين، حيث من ذلك: 1 - وقف الأراضي والبيوت والأسهم والممتلكات على الفقراء وذوي القربى والمحتاجين من المسلمين. ومن تأمل في الحديث في أصل مشروعية الوقف الوارد عن عمر رضي الله عنه وجد ذلك، ففي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا يورث، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا بالمعروف غير متمول فيه. فهنا وقف على الفقراء والقرابات والمحاويج من المسلمين في غير المساجد. 2 - ومن ذلك الوقف على دور الاستشفاء والمصحات وعلى آلاتها مما يحتاجه المرضى والنزلاء من نحو أجهزة تغسيل الكلى، وتنظيم القلب، والإنعاش، والمختبرات. فإن الحاجة لمثل هذه الأجهزة ماسة، وبعضها تكاليفه عالية. 3 - وقف المدارس والمعاهد والكليات والجامعات ودور التعليم وتحفيظ القرآن. 4 - سبيل الماء بحفر الآبار أو جريانه أو نقله أو تبريده أو توزيعه. 5 - طبع الكتب النافعة مما يحتاجه طلبة العلم، وتسجيلات العلماء والمشايخ التي تنفع العامة والخاصة من طلبة العلم. وعلى كل حال، فكل شيء أنفع للمسلمين في الحال والمستقبل فهو أعظم أجرا وقدرا، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من إحدى ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). هذا والأوقاف من حيث الأثر والنفع منها ما هو عام كالوقف على المسلمين، ومنها ما هو وقف خاص كالوقف على الذرية أو على طلبة العلم أو على المرضى أو ابن السبيل، والمقصود والاهتمام بهذا المرفق العظيم من مرافق المسلمين بعمل البر والخير وتعدي النفع. وفق الله الجميع لصالح العمل ونافع القول، في الآخرة والأولى، وهو سبحانه ولي التوفيق. فوائد التنويع كما تحدث الشيخ د. عبدالسلام بن محمد الشويعر الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية - قسم العلوم الشرعية - فقال: تنويع العمل الخيري (سواء كان العمل الخيري جهدا بدنيا، أو بذلا بالمال) فإنه من الأمور الحسنة والجيدة التي تفيد الشخص والمجتمع وتوجد الكثير من المصالح الكبيرة الظاهرة. وقبل أن أتحدث عن هذا التنويع وفوائده أحب أن أبين أن الشرع الحكيم قد دل على استحباب ذلكم التنويع في طرق العمل الخيري؛ ويدل على ذلك أدلة كثيرة من الشرع منها مثلا في جانب العمل الخيري بالمال؛ أن الله - عز وجل - قد تكفل في كتابه بتفصيل أنواع من تجب لهم الزكاة وذلك في آية التوبة في تبيين الأصناف الثمانية، وبناء عليه يرى كثير من الفقهاء استحباب أن توزع الزكاة في جميع هذه الأصناف الثمانية أو أغلبها إن لم يمكن ذلك. ومن ذلك في الوقف الخيري، فالناظر في صيغ الوقوف التي صدرت من المسلمين في القرون الماضية يرى تنوعا عجيبا في مصارفه، فنوع على الفقراء وآخر على المساجد وثالث على المسافرين وهكذا حتى على ضوال البهائم والحيوانات. وقد أشار لذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأن الصدقة بمعناها العام ليست خاصة ببذل المال للفقراء فقط، بل تتعداه لغيرها من الصور؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة؛ كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة). فإذا كان ذلك كذلك فإن تنويع مجالات العمل الخيري من الأشياء التي توافق مقاصد الشرع؛ لما فيها من المصلحة الكبيرة على الناس فلو أن الناس جميعا اتجهوا إلى نوع واحد فقط من العمل الخيري (ولنقل بناء المساجد مثلا) فإن كثيرا من المجالات المهمة التي يحتاجها الناس قد يطرأ عليها نقص وحاجة كمجالات التعليم، والتطبيب، والأمور الاجتماعية الأخرى التي ربما كان الإنفاق فيها أعظم أجرا عند الله - عز وجل - من الإنفاق على تزويق المساجد وزخرفتها التي نهى عنها كثير من السلف الصالح - رحمهم الله تعالى -. وفي نظري أن تنويع العمل الخيري مما لا يختلف في أهميته وحاجة الناس إليه - في الجملة -، والعهدة في تنبيه الناس إليه راجعة إلى طرفين أحدهما الوعاظ وخطباء المساجد الذي يبينون للناس أهمية ذلك ومدى الحاجة إليه. والثاني الجهات والمؤسسات القائمة على العمل الخيري إشرافا ومتابعة فإنها حلقة الوصل بين الباذل وبين المشروع الخيري فإذا أوجد القائمون عليها أبوابا متنوعة للعمل الخيري واستقطبوا الأفكار وتبنوها فإنها سترى النور بعد ذلك. الوقف الجماعي وتحدث د. محمد بن يحيى النجيمي الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية وبالمعهد العالي للقضاء والخبير بالمجمع الفقهي الدولي الإسلامي بجدة فقال: مفهوم الوقف في الفقه الإسلامي: هو حبس مال ممكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره على مصرف مباح موجود أو بصرف ريعه على جهة بر وخير تقربا إلى الله تعالى. والوقف نوعان: الوقف الخيري وهو الذي يوقف في أول الأمر على جهة خيرية ولو لمدة معينة. والوقف الخيري: هو الذي يوقف في ابتداء الأمر على نفس الواقف أو أي أشخاص معينين ولو جعل آخره لجهة خيرية. وأما محل الوقف فهو المال الموجود المتقدم من عقار: أرض أو دار بالإجماع أو منقول ككتب وثياب وحيوان وسلاح لقوله صلى الله عليه وسلم: (وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا، فإنه احتبس أدرعه واعتدته في سبيل الله). واتفقت الأمة على وقف الحصر والقناديل في المساجد من غير نكير قلت ومثلها الآن الفرش والكهرباء في المساجد. ويصح وقف الحلي بلبس والإعارة لأنه يمكن الانتفاع بها ويفهم من هذا كله أن الوقف لا يقتصر على بناء المساجد وبناء المساكن للأئمة والمؤذنين وإنما الوقف أوسع من هذا المفهوم الضيق الذي فهمه الناس فيشمل بناء المستشفيات والمدارس ومراكز غسيل الكلى والملاجئ للفقراء والمعوزين وذوي الحاجات، بل إن هذه ربما تكون أفضل من بناء المساجد لأن الناس يمكن أن يصلوا في أي مكان لأن الأرض جعلت للمسلمين مساجد ويدل على هذا في حديث ابن عمر أن عمر أصاب أرضا من أرض خيبر، فقال يا رسول الله: أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدق بها عمر. على ألا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. فإذا تمعنا هذا الحديث فنجد التنوع الواضح في الوقف، فقد ذكر الفقراء من عامة الناس وذوي القربى والرقاب أي اعتاق الرقاب والضيف الذي يأتي من مكان بعيد وابن السبيل وهو المنقطع وإن كان غني. وهذا درس لنا نحن المسلمين بألا يقتصر الوقف على جهة واحدة، بل يجب أن تعدد وأن نتذكر قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). ونشأ في عصرنا هذا ما يسمى بالوقف الجماعي وهو الوقف الذي يشترك فيه عدد من الأشخاص أو الجهات في حبس مال أو أموال يمتلكونها على جهة واحدة أو متعددة بشروط معينة وإدارة معينة في عقد واحد أو عقود متعددة متلاحقة. والوقف الجماعي بهذا المعنى جائز وصحيح عند عامة الفقهاء ولا يفترق عن الوقف الفردي في ذلك وربما كان الوقف الجماعي في بعض البيئات والظروف وبخاصة في وقتنا الحاضر هو الأفضل. والوقف الجماعي انتشر في عالمنا المعاصر انتشارا كبيرا وبخاصة في دولة الكويت الشقيقة وبين الأقليات في أوروبا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. فضلة الأزمنة والأمكنة ثم تحدث د. يحيى بن علي العمري عضو هيئة التدريس بقسم الفقه - كلية الشريعة - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقال: لا شك أن الإسلام جاء لإسعاد الناس في دنياهم وأخراهم فلم يترك شاردة ولا واردة إلا عالجها وأوجد لها الحلول المناسبة، ومن ذلك حثه على التكافل الاجتماعي قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، ولا يخفى أن مجتمعنا ولله الحمد والمنة تتجسد فيه مظاهر شتى للأعمال الخيرية خلافا لما قد يتوهمه البعض من أن جل أعمال الخير منصرفة إلى بناء المساجد فحسب، بل شملت نواحي متعددة من الأعمال الخيرية التي انتفع بها المسلمون ولله الحمد في الداخل والخارج، وهذا الذي ينبغي أن يكون مستقرا في أذهان الموسرين وأصحاب الأموال ممن لديه الرغبة الجادة في المساهمة الفاعلة لما يعود على المسلمين بالنفع العميم والخير العظيم. فقد يتوهم بأن بناء المساجد هو أفضل الأعمال ولا شك أن هذا من أبواب الخير وأعمال البر إلا أن مجالات العمل الخيري متنوعة ومتعددة، وقد تكون في بعض الأمكنة وبعض الأزمنة أفضل من بناء المساجد، كما هو الحال في العبادات التي يقوم بها الإنسان، فقد يكون طلب العلم أفضل من نوافل الصلاة وفي حق آخر الصوم خير من الذكر وهكذ. لذا ينبغي تنويع الأعمال الخيرية على حسب الفائدة المرجوة منها في مكان ما، وفي زمان ما، فإذا كان في بلد مثلا مساجد وليس فيه مدارس فبناء المدارس أفضل من بناء المساجد في هذا البلد وهكذ. فمن الأعمال الخيرية التي ينبغي السعي في تحصيلها لينتفع الناس بها على حسب الظرف الزماني والمكاني ما يلي: أولا: بناء المدارس والمراكز الإسلامية. ثانيا: بناء المستشفيات والمشاريع الطبية المتنوعة كالمستوصفات ومراكز غسيل الكلى. ثالثا: كفالة الأيتام والأرامل والمحتاجين. رابعا: حفر الآبار. خامسا: مساعدة الشباب من الجنسين على الزواج وتيسير أمورهم لإعفاف أنفسهم وإكمال دينهم. سادسا: دعم المشاريع الدعوية التي يتعدى نفعها لعموم المسلمين. سابعا: المساهمة في طباعة الكتب النافعة والعمل على نشره. ثامنا: السعي في إيجاد الأوقاف ليعم نفعها بإذن الله تعالى. وهذه الأعمال الخيرية يتفاوت فضلها بحسب الأشخاص والأزمان والأماكن فما يصلح في مكان قد لا يكون مناسبا في غيره، فينبغي على من أراد أن يعمل عملا خيرا أن ينظر الأصلح ويقدره بقدره. على المنفق أن يفرح ثم تحدث الشيخ قاسم بن صديق الطوهري عضو هيئة التحقيق والادعاء العام وإمام مسجد محمد الراجحي بحي الروابي بالرياض فقال: لقد نالوا الأجور، وفازوا بالحسنات، لقد وفقوا للخير واستظلوا بالرحمات، لقد أعانوا المسكين، وكفلوا اليتيم، وحفروا الآبار، وبنوا المساجد، ودعموا الحلقات وشاركوا في ألوان شتى من الخيرات. أعلمت من هم؟! إنهم من وهبوا أموالهم لله؛ فهم ينفقونها في سبيله راجين ما عنده سبحانه طالبين لرضاه، بل إنهم ينفقون أموالهم دون من ولا أذى. قال تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262)} [البقرة] . ينفقون أموالهم مستشعرين أن الله هو الذي أعطاهم إياها ووهبهم إياها فكان عليهم أن يشكروه بالإنفاق في سبيله ولسان الحال يقول: الله أعطاك فابذل من عطيته فالمال عارية والعمر رحال المال كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذب منه سلسال بل إن الواجب على كل منفق أن يفرح حينما ينفق في سبيل الله مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصفه أحد الشعراء بقوله: تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله ومن هنا أحث الناس جميعا وبالذات أصحاب الأموال وكل من له استطاعة على الإنفاق المبادرة بالإنفاق في سبل الخير المتنوعة فيكون له في سبيل خيري سهم من المشاركة والإنفاق والبذل فيشارك في كفالة اليتيم وإعانة المساكين وبناء المساجد، وأيضا دعم المشاريع الخيرية بشتى ألوانها، ولنعلم أن أموالنا إنما تزيد بالإنفاق كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما نقص مال من صدقة بل تزده). فالله الله بالإنفاق في سبيل الله والله الله بدعم المناشط الخيرية والجمعيات المباركة وكل عمل خيري يتقرب به إلى الله. وأخيرا أسأل الله أن يجعل ما قلت خالصا لوجهه والله أعلم وأحكم وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. دروب الخير ثم تحدث الشيخ عبدالله بن سعود الحربي مدرس العلوم الشرعية في ثانوية أبي عمر البصري لتحفيظ القرآن وإمام مسجد العجلان بالرياض فقال: جرت سنة الله تبارك وتعالى في البشر أن جعل بعضهم لبعض سخريا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ليبلوهم فيما آتاهم، وجعل سعادتهم لا تتم إلا بالتعاون والتواصل، واستقرار حياتهم لا يكون إلا بالتعاطف والتراحم، يرفق القوي بالضعيف، ويحسن المكثر على المقل، ويصل الواجد المنقطع. ولا يكون الشقاء، وحصول البلاء، إلا حين يفشو في الناس التقاطع والتدابر، وتحل الأنانية محل الإيثار. والنفس الكريمة المؤمنة يعز عليها أن ترى مسكينا تمزقت ثيابه، أو تبصر حافيا دميت أصابعه، أو تلحظ جائعا يمد بصره إلى شيء لدى غيره، أو أرامل جفت مآقيهم، أو أيتاما تكسرت خواطرهم، وتحطمت آمالهم. إن الله سبحانه وتعالى برحمته حين خلق المعروف خلق له أهلا، وحبب إليهم إسداءه، وإذا أراد الله بعبده خيرا جعل قضاء حوائج الناس على يديه. وقد ورد في الحديث: (إن لله أقواما اختصهم بالنعم لمنافع عباده، يقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم) رواه الطبراني وحسنه الألباني. والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده، وأعظم المصائب أن تقدر على المعروف ثم لا تصنعه، والغبطة لمن يسر الله له خدمة الناس، وأعانه على السعي في مصالحهم. يقول علي رضي الله عنه: (يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في الخير!! عجبت لرجل يجيئه أخوه لحاجته فلا يرى نفسه للخير أهلا!! فلو كنا لا نرجو جنة ولا نخاف نارا ولا ننتظر ثوابا ولا نخشى عقابا لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبل النجاح؟ فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم. وما هو خير منه) (أخرجه البيهقي وحسنه ابن كثير). ودروب الخير كثيرة، وأبواب البر مشرعة، وحوائج الناس متنوعة: إطعام جائع، وكسوة عار، وتعليم جاهل، وإعانة عاجز، وإنظار معسر، وإسعاف مفجوع أو أرملة، وبناء مسجد، وتشييد معهد، وإقامة مشفى، وتوفير علاج، ومداواة مريض، وطبع كتاب، ونشر شريط، وتوزيع نشرات، وإقامة ندوات ودورات، وحفر آبار، وزرع أشجار، وتعبيد طرق، وبناء جامعات، وتبني منح وبعثات، وغيرها وغيرها مما يبني الأمة، ويحقق لها التكامل وعدم الازدواجية في العمل، ويوصلها إلى أهدافها المرجوة من غير تقاطع أو تقاعس. ويكفل لها وصول الخير إلى حيث يراد له من دون تكرار أو انقطاع. وتغطى به الحاجات، وتسد الخلات، فلا يطغى باب من المعروف على باب، ولا يهمل وجه دون آخر، ولا يتسلل العدو إلى الأمة من أماكن الضعف، ويستغل منها ثغرات النقص. ونشر الوعي لدى أهل المعروف، ولفت انتباههم إلى المسؤولية الجماعية في بناء المجتمع الإسلامي، وتكامل لبناته، من غير أنانية ولا تراشق للمسؤولية، في إيثار للصالح العام: واجب شرعي، وحق إنساني، على العلماء والوجهاء بيانه، وحث الناس على فهمه، وترغيبهم في التزامه، ليحصل التكافل في المنافع، والتضامن في تخفيف المتاعب، وتقوية أواصر الأخوة، وشد حبال المودة، ودرء استحكام الأنانيات، والقضاء على التفرد وحب الذات. وأخيرا فإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، والمال إن لم تصنع به معروفا، أو تقضي به حاجة، وتدخر لك به أجرا، فما هو إلا لوارث أو لحادث. ومن بذل اليوم قليلا، جناه غدا كثيرا، وتجارة مع الله رابحة، وقرض لله حسن، مردود إليه أضعافا مضاعفة، إذا حرص صاحبه على الكتمان، وتجنب الأذى والمن، وسعى في إصلاح قلبه، وأراد الله والدار الآخرة في بذله. ويبلغ الكرم ذروته، والبذل أسمى غاياته، حين يعلم باذل المعروف أن ما يقدمه هو حق للآخرين، ساقه الله على يديه، فلا يريد منهم جزاء ولا شكورا والله الموفق. وكان معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد رئيس مجلس الأوقاف الأعلى الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ قد وقع مع معالي وزير الصحة الدكتور حمد بن عبدالله المانع يوم السبت التاسع عشر من شهر رجب 1425هـ بمكتب معالي الوزير آل الشيخ في مقر الوزارة بالرياض على مذكرة اتفاق إنشاء صندوق الوقف الصحي تحت إشراف كل من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ووزارة الصحة، بهدف التشجيع على فعل الخير وبذل التبرعات الطوعية في مجال الرعاية الصحية. وقد تحدث معالي الوزير الشيخ صالح آل الشيخ بهذه المناسبة قائلا: إنشاء الصندوق الوقفي الصحي ستكون مهمته - إن شاء الله تعالى- إيجاد الأوقاف على المجالات الصحية المتنوعة التي ترعاها وزارة الصحة، واستثمار هذه الأوقاف فيما يعود بالنفع على مجالات الصحة التي اليوم نجد أن الحاجة ماسة لإيجاد مصادر دخل إضافية للعناية بالجوانب الصحية. وأضاف معاليه قائلا: إنه لا شك أن الشريعة الإسلامية أكدت على عمل الخير وإيجاد الأوقاف في قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ..} [آل عمران: 92]، والصدقة الجارية جاء التأكيد عليها في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وفهم المسلمون والخلفاء الراشدون، ثم دول الإسلام المتعاقبة التي فهمت أن هذه الصدقات الجارية هي إيجاد الأوقاف الثابتة التي ترعى ما فيه مصلحة للمسلمين سواء كانت دينية لهم في بناء المساجد، أو في تعليم القرآن، أو نسخ القرآن، أو ما أشبه ذلك، أو في ما هو في مصلحة دنيوية لهم، مثل إجراء المياه، وفتح الطرق، وبناء المستشفيات، ورعاية المحتاجين، وما أشبه ذلك. واستطرد معاليه قائلا: لذلك نجد أنه في تاريخ الإسلام وجدت الأوقاف الكثيرة على المستشفيات، ووجدت الأوقاف الكثيرة على الرعاية الصحية، بل كانت هذه المستشفيات التي كانت تسمى فيما مضى (البيمارستانات) لا تقوم بشؤونها إلا الأوقاف، فوجدت في كل عواصم الدول الإسلامية القديمة، مثل دمشق، ثم بغداد، فالقاهرة، وأشباه ذلك، وفي تركيا، وغيرها الأوقاف كثيرة على المستشفيات، وهذا لا شك نابع من فهم علماء المسلمين لمعنى الوقف، وأن الوقف الذي (هو تحبيس الأصل وتسبيل الغلة والمنفعة) يجب أن يوجه إلى ما فيه نفع وكل المجال الذي يوقف فيه أكثر نفعا في الدين أو الدنيا، وأكثر حاجة في زمان معين كان الفضل فيه أكثر فقد يكون في وقت من الأوقات أحد أفضل المجالات، ثم في وقت آخر يكون مجال آخر أفضل لأجل شدة الحاجة، ولهذا قال الله تعالى: {فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16)} [البلد]، فصار إطعام المسكين في اليوم المحتاج أعظم، يعادل عتق الرقبة وقرن به لشدة فضله، وهكذا في هذه المجالات، مشيرا معاليه إلى أن هذه الاتفاقية والتوقيع عليها نابعة في الحقيقة من دور مجلس الأوقاف الأعلى في المملكة العربية السعودية. وأوضح معالي الوزير الشيخ صالح آل الشيخ أنه في مناسبة توقيع هذه الاتفاقية، يتبلور دور مجلس الأوقاف الأعلى الآن في المملكة العربية السعودية في توسيع الفهم للمجالات الوقفية، وأن الوقف الإسلامي يشمل جميع المجالات التي يحتاجها الناس في حياتهم، ومجلس الأوقاف الأعلى، ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية وسعت هذا المفهوم، وهي الآن في صدد إنشاء مجموعة من الصناديق الوقفية، حيث سبق أن صدر الأمر من مجلس الوزراء بإنشاء الصندوق الوقفي للمساجد والآن بالمجالات التنموية التي يحتاجها الناس الآن، ونبتدئ بإنشاء الصندوق الوقفي الصحي وسيتبعها - إن شاء الله تعالى - أنواع من الصناديق المتعلقة بالتعليم وبحاجة الناس الأخرى، ونجد أن هذه في الحقيقة مهمة جدا في هذا الصدد. ودعا معالي الشيخ صالح آل الشيخ في كلمته الله تعالى أن يكون لهذه الاتفاقية الأثر الكبير، حاثا معاليه ذوي اليسار الذين أعطاهم الله جل وعلا المال أن يعوا معنى الفضل، وأن فضل الإنفاق راجع إلى عظم الأثر، وكلما كانت الحاجة أشد كان الفضل والأجر أكبر. وقال معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد: إن البعض يظن أن بعض المجالات أفضل من بعض بمجرد نوع العمل وهذا ليس بصحيح، بل في القواعد الشرعية أنه كلما كان العمل أنفع في الدنيا والآخرة كان أكثر فضلا وأكثر أجرا، داعيا معاليه جميع من يرغب في الإسهام في هذا الصندوق الوقفي للعناية بالمحتاجين للخدمات الصحية المتنوعة.
(مجلة الدعوة الاسلامية)
المشايخ والدعاة يؤ?دون لـ (الدعوة): تعدد مصارف الأوقاف والأعمال الخيرية.. نفع للمجتمعات الإسلامية الشيخ علي الشبل: الوقف على المشافي والمعاهد والمدارس وال?ليات والجامعات ودور التعليم من صور الوقف الخيري الشيخ عبدالسلام الشويعر: المتتبع لصيغ الوقف في القرون الماضية يجد تنوعا عجيبا د. محمد النجيمي: الوقف الجماعي قد ي?ون الأفضل في وقتنا الحاضر د. يحيى العمري: يتفاوت فضل الأعمال الخيرية بحسب الأشخاص والأزمان المشاركون في التحقيق الشيخ علي بن عبدالعزيز الشبل أستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الشيخ الدكتور عبدالسلام بن محمد الشويعر الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية - قسم العلوم الشرعية الدكتور محمد بن يحيى النجيمي الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية وبالمعهد العالي للقضاء والخبير في المجمع الفقهي الدولي الإسلامي بجدة الدكتور يحيى بن علي العمري عضو هيئة التدريس - بكلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الشيخ قاسم بن صديق الطوهري عضو هيئة التحقيق والادعاء العام وإمام مسجد الراجحي بحي الروابي بالرياض الشيخ عبدالله بن سعود الحربي أستاذ العلوم الشرعية في ثانوية أبي عمر البصيري لتحفيظ القرآن تحقيق - د. عقيل العقيل: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مما يبقى للمرء بعد موته صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له. ولا شك أن المرء بحاجة ماسة أن يعمل ما استطاع من أعمال ينفعه الله بها في حياته وتبقى بعد موته. والمسلمون يتنافسون في هذه الأعمال، ويتسابقون إليها وهذا دأبهم والحمد لله، ولكن الملاحظ على البعض حصر هذه الأعمال الخيرية - وقفا أو غيره - حصرها في أمور معينة دون الأمور الأخرى رغم حاجة الناس الماسة إليها خاصة في هذه الأزمنة. وقد تحدث لـ (الدعوة) مجموعة من المشايخ مبينين أهمية تنويع مصارف الأوقاف والأعمال الخيرية وأهمية الشمولية في ذلك ومراعاة حال الناس والبلدان وما يكونوا بحاجة إليه أكثر من غيرهم. مجالات رحبة في البداية تحدث الشيخ علي بن عبدالعزيز الشبل - أستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين فقال: إن من مآثر الإسلام وسماحته على الناس مأثرة الوقف الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم ومضى عليه الصحابة رضي الله عنهم، حيث لم يكن لأحدهم مال إلا وأوقف منه، وما زال عليه عمل المسلمين جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن. وما زالت ولله الحمد هذه السنة جارية ومعمول بها في بلادنا وبلاد المسلمين، ولكن أكثر الأوقاف وما يبذله المسلمون يكون في عمارة المساجد - وهذا وإن كان خيرا عظيما - لكن ثمة أبواب من أعمال الخير والبر والمعروف والإحسان من المناسب الالتفات إليها وعدم إغفالها، تنويعا لأعمال الخير، وتوسيعا لمصادر النفع والإحسان وإغناء للمجتمع المسلم، وفي هذا المقام أذكر بأنواع وصور من مصارف الأوقاف وأعمال البر توجيها لإخواني المسلمين، حيث من ذلك: 1 - وقف الأراضي والبيوت والأسهم والممتلكات على الفقراء وذوي القربى والمحتاجين من المسلمين. ومن تأمل في الحديث في أصل مشروعية الوقف الوارد عن عمر رضي الله عنه وجد ذلك، ففي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا يورث، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا بالمعروف غير متمول فيه. فهنا وقف على الفقراء والقرابات والمحاويج من المسلمين في غير المساجد. 2 - ومن ذلك الوقف على دور الاستشفاء والمصحات وعلى آلاتها مما يحتاجه المرضى والنزلاء من نحو أجهزة تغسيل الكلى، وتنظيم القلب، والإنعاش، والمختبرات. فإن الحاجة لمثل هذه الأجهزة ماسة، وبعضها تكاليفه عالية. 3 - وقف المدارس والمعاهد والكليات والجامعات ودور التعليم وتحفيظ القرآن. 4 - سبيل الماء بحفر الآبار أو جريانه أو نقله أو تبريده أو توزيعه. 5 - طبع الكتب النافعة مما يحتاجه طلبة العلم، وتسجيلات العلماء والمشايخ التي تنفع العامة والخاصة من طلبة العلم. وعلى كل حال، فكل شيء أنفع للمسلمين في الحال والمستقبل فهو أعظم أجرا وقدرا، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من إحدى ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). هذا والأوقاف من حيث الأثر والنفع منها ما هو عام كالوقف على المسلمين، ومنها ما هو وقف خاص كالوقف على الذرية أو على طلبة العلم أو على المرضى أو ابن السبيل، والمقصود والاهتمام بهذا المرفق العظيم من مرافق المسلمين بعمل البر والخير وتعدي النفع. وفق الله الجميع لصالح العمل ونافع القول، في الآخرة والأولى، وهو سبحانه ولي التوفيق. فوائد التنويع كما تحدث الشيخ د. عبدالسلام بن محمد الشويعر الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية - قسم العلوم الشرعية - فقال: تنويع العمل الخيري (سواء كان العمل الخيري جهدا بدنيا، أو بذلا بالمال) فإنه من الأمور الحسنة والجيدة التي تفيد الشخص والمجتمع وتوجد الكثير من المصالح الكبيرة الظاهرة. وقبل أن أتحدث عن هذا التنويع وفوائده أحب أن أبين أن الشرع الحكيم قد دل على استحباب ذلكم التنويع في طرق العمل الخيري؛ ويدل على ذلك أدلة كثيرة من الشرع منها مثلا في جانب العمل الخيري بالمال؛ أن الله - عز وجل - قد تكفل في كتابه بتفصيل أنواع من تجب لهم الزكاة وذلك في آية التوبة في تبيين الأصناف الثمانية، وبناء عليه يرى كثير من الفقهاء استحباب أن توزع الزكاة في جميع هذه الأصناف الثمانية أو أغلبها إن لم يمكن ذلك. ومن ذلك في الوقف الخيري، فالناظر في صيغ الوقوف التي صدرت من المسلمين في القرون الماضية يرى تنوعا عجيبا في مصارفه، فنوع على الفقراء وآخر على المساجد وثالث على المسافرين وهكذا حتى على ضوال البهائم والحيوانات. وقد أشار لذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأن الصدقة بمعناها العام ليست خاصة ببذل المال للفقراء فقط، بل تتعداه لغيرها من الصور؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة؛ كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة). فإذا كان ذلك كذلك فإن تنويع مجالات العمل الخيري من الأشياء التي توافق مقاصد الشرع؛ لما فيها من المصلحة الكبيرة على الناس فلو أن الناس جميعا اتجهوا إلى نوع واحد فقط من العمل الخيري (ولنقل بناء المساجد مثلا) فإن كثيرا من المجالات المهمة التي يحتاجها الناس قد يطرأ عليها نقص وحاجة كمجالات التعليم، والتطبيب، والأمور الاجتماعية الأخرى التي ربما كان الإنفاق فيها أعظم أجرا عند الله - عز وجل - من الإنفاق على تزويق المساجد وزخرفتها التي نهى عنها كثير من السلف الصالح - رحمهم الله تعالى -. وفي نظري أن تنويع العمل الخيري مما لا يختلف في أهميته وحاجة الناس إليه - في الجملة -، والعهدة في تنبيه الناس إليه راجعة إلى طرفين أحدهما الوعاظ وخطباء المساجد الذي يبينون للناس أهمية ذلك ومدى الحاجة إليه. والثاني الجهات والمؤسسات القائمة على العمل الخيري إشرافا ومتابعة فإنها حلقة الوصل بين الباذل وبين المشروع الخيري فإذا أوجد القائمون عليها أبوابا متنوعة للعمل الخيري واستقطبوا الأفكار وتبنوها فإنها سترى النور بعد ذلك. الوقف الجماعي وتحدث د. محمد بن يحيى النجيمي الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية وبالمعهد العالي للقضاء والخبير بالمجمع الفقهي الدولي الإسلامي بجدة فقال: مفهوم الوقف في الفقه الإسلامي: هو حبس مال ممكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره على مصرف مباح موجود أو بصرف ريعه على جهة بر وخير تقربا إلى الله تعالى. والوقف نوعان: الوقف الخيري وهو الذي يوقف في أول الأمر على جهة خيرية ولو لمدة معينة. والوقف الخيري: هو الذي يوقف في ابتداء الأمر على نفس الواقف أو أي أشخاص معينين ولو جعل آخره لجهة خيرية. وأما محل الوقف فهو المال الموجود المتقدم من عقار: أرض أو دار بالإجماع أو منقول ككتب وثياب وحيوان وسلاح لقوله صلى الله عليه وسلم: (وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا، فإنه احتبس أدرعه واعتدته في سبيل الله). واتفقت الأمة على وقف الحصر والقناديل في المساجد من غير نكير قلت ومثلها الآن الفرش والكهرباء في المساجد. ويصح وقف الحلي بلبس والإعارة لأنه يمكن الانتفاع بها ويفهم من هذا كله أن الوقف لا يقتصر على بناء المساجد وبناء المساكن للأئمة والمؤذنين وإنما الوقف أوسع من هذا المفهوم الضيق الذي فهمه الناس فيشمل بناء المستشفيات والمدارس ومراكز غسيل الكلى والملاجئ للفقراء والمعوزين وذوي الحاجات، بل إن هذه ربما تكون أفضل من بناء المساجد لأن الناس يمكن أن يصلوا في أي مكان لأن الأرض جعلت للمسلمين مساجد ويدل على هذا في حديث ابن عمر أن عمر أصاب أرضا من أرض خيبر، فقال يا رسول الله: أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدق بها عمر. على ألا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. فإذا تمعنا هذا الحديث فنجد التنوع الواضح في الوقف، فقد ذكر الفقراء من عامة الناس وذوي القربى والرقاب أي اعتاق الرقاب والضيف الذي يأتي من مكان بعيد وابن السبيل وهو المنقطع وإن كان غني. وهذا درس لنا نحن المسلمين بألا يقتصر الوقف على جهة واحدة، بل يجب أن تعدد وأن نتذكر قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). ونشأ في عصرنا هذا ما يسمى بالوقف الجماعي وهو الوقف الذي يشترك فيه عدد من الأشخاص أو الجهات في حبس مال أو أموال يمتلكونها على جهة واحدة أو متعددة بشروط معينة وإدارة معينة في عقد واحد أو عقود متعددة متلاحقة. والوقف الجماعي بهذا المعنى جائز وصحيح عند عامة الفقهاء ولا يفترق عن الوقف الفردي في ذلك وربما كان الوقف الجماعي في بعض البيئات والظروف وبخاصة في وقتنا الحاضر هو الأفضل. والوقف الجماعي انتشر في عالمنا المعاصر انتشارا كبيرا وبخاصة في دولة الكويت الشقيقة وبين الأقليات في أوروبا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. فضلة الأزمنة والأمكنة ثم تحدث د. يحيى بن علي العمري عضو هيئة التدريس بقسم الفقه - كلية الشريعة - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقال: لا شك أن الإسلام جاء لإسعاد الناس في دنياهم وأخراهم فلم يترك شاردة ولا واردة إلا عالجها وأوجد لها الحلول المناسبة، ومن ذلك حثه على التكافل الاجتماعي قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، ولا يخفى أن مجتمعنا ولله الحمد والمنة تتجسد فيه مظاهر شتى للأعمال الخيرية خلافا لما قد يتوهمه البعض من أن جل أعمال الخير منصرفة إلى بناء المساجد فحسب، بل شملت نواحي متعددة من الأعمال الخيرية التي انتفع بها المسلمون ولله الحمد في الداخل والخارج، وهذا الذي ينبغي أن يكون مستقرا في أذهان الموسرين وأصحاب الأموال ممن لديه الرغبة الجادة في المساهمة الفاعلة لما يعود على المسلمين بالنفع العميم والخير العظيم. فقد يتوهم بأن بناء المساجد هو أفضل الأعمال ولا شك أن هذا من أبواب الخير وأعمال البر إلا أن مجالات العمل الخيري متنوعة ومتعددة، وقد تكون في بعض الأمكنة وبعض الأزمنة أفضل من بناء المساجد، كما هو الحال في العبادات التي يقوم بها الإنسان، فقد يكون طلب العلم أفضل من نوافل الصلاة وفي حق آخر الصوم خير من الذكر وهكذ. لذا ينبغي تنويع الأعمال الخيرية على حسب الفائدة المرجوة منها في مكان ما، وفي زمان ما، فإذا كان في بلد مثلا مساجد وليس فيه مدارس فبناء المدارس أفضل من بناء المساجد في هذا البلد وهكذ. فمن الأعمال الخيرية التي ينبغي السعي في تحصيلها لينتفع الناس بها على حسب الظرف الزماني والمكاني ما يلي: أولا: بناء المدارس والمراكز الإسلامية. ثانيا: بناء المستشفيات والمشاريع الطبية المتنوعة كالمستوصفات ومراكز غسيل الكلى. ثالثا: كفالة الأيتام والأرامل والمحتاجين. رابعا: حفر الآبار. خامسا: مساعدة الشباب من الجنسين على الزواج وتيسير أمورهم لإعفاف أنفسهم وإكمال دينهم. سادسا: دعم المشاريع الدعوية التي يتعدى نفعها لعموم المسلمين. سابعا: المساهمة في طباعة الكتب النافعة والعمل على نشره. ثامنا: السعي في إيجاد الأوقاف ليعم نفعها بإذن الله تعالى. وهذه الأعمال الخيرية يتفاوت فضلها بحسب الأشخاص والأزمان والأماكن فما يصلح في مكان قد لا يكون مناسبا في غيره، فينبغي على من أراد أن يعمل عملا خيرا أن ينظر الأصلح ويقدره بقدره. على المنفق أن يفرح ثم تحدث الشيخ قاسم بن صديق الطوهري عضو هيئة التحقيق والادعاء العام وإمام مسجد محمد الراجحي بحي الروابي بالرياض فقال: لقد نالوا الأجور، وفازوا بالحسنات، لقد وفقوا للخير واستظلوا بالرحمات، لقد أعانوا المسكين، وكفلوا اليتيم، وحفروا الآبار، وبنوا المساجد، ودعموا الحلقات وشاركوا في ألوان شتى من الخيرات. أعلمت من هم؟! إنهم من وهبوا أموالهم لله؛ فهم ينفقونها في سبيله راجين ما عنده سبحانه طالبين لرضاه، بل إنهم ينفقون أموالهم دون من ولا أذى. قال تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262)} [البقرة] . ينفقون أموالهم مستشعرين أن الله هو الذي أعطاهم إياها ووهبهم إياها فكان عليهم أن يشكروه بالإنفاق في سبيله ولسان الحال يقول: الله أعطاك فابذل من عطيته فالمال عارية والعمر رحال المال كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذب منه سلسال بل إن الواجب على كل منفق أن يفرح حينما ينفق في سبيل الله مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصفه أحد الشعراء بقوله: تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله ومن هنا أحث الناس جميعا وبالذات أصحاب الأموال وكل من له استطاعة على الإنفاق المبادرة بالإنفاق في سبل الخير المتنوعة فيكون له في سبيل خيري سهم من المشاركة والإنفاق والبذل فيشارك في كفالة اليتيم وإعانة المساكين وبناء المساجد، وأيضا دعم المشاريع الخيرية بشتى ألوانها، ولنعلم أن أموالنا إنما تزيد بالإنفاق كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما نقص مال من صدقة بل تزده). فالله الله بالإنفاق في سبيل الله والله الله بدعم المناشط الخيرية والجمعيات المباركة وكل عمل خيري يتقرب به إلى الله. وأخيرا أسأل الله أن يجعل ما قلت خالصا لوجهه والله أعلم وأحكم وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. دروب الخير ثم تحدث الشيخ عبدالله بن سعود الحربي مدرس العلوم الشرعية في ثانوية أبي عمر البصري لتحفيظ القرآن وإمام مسجد العجلان بالرياض فقال: جرت سنة الله تبارك وتعالى في البشر أن جعل بعضهم لبعض سخريا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ليبلوهم فيما آتاهم، وجعل سعادتهم لا تتم إلا بالتعاون والتواصل، واستقرار حياتهم لا يكون إلا بالتعاطف والتراحم، يرفق القوي بالضعيف، ويحسن المكثر على المقل، ويصل الواجد المنقطع. ولا يكون الشقاء، وحصول البلاء، إلا حين يفشو في الناس التقاطع والتدابر، وتحل الأنانية محل الإيثار. والنفس الكريمة المؤمنة يعز عليها أن ترى مسكينا تمزقت ثيابه، أو تبصر حافيا دميت أصابعه، أو تلحظ جائعا يمد بصره إلى شيء لدى غيره، أو أرامل جفت مآقيهم، أو أيتاما تكسرت خواطرهم، وتحطمت آمالهم. إن الله سبحانه وتعالى برحمته حين خلق المعروف خلق له أهلا، وحبب إليهم إسداءه، وإذا أراد الله بعبده خيرا جعل قضاء حوائج الناس على يديه. وقد ورد في الحديث: (إن لله أقواما اختصهم بالنعم لمنافع عباده، يقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم) رواه الطبراني وحسنه الألباني. والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده، وأعظم المصائب أن تقدر على المعروف ثم لا تصنعه، والغبطة لمن يسر الله له خدمة الناس، وأعانه على السعي في مصالحهم. يقول علي رضي الله عنه: (يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في الخير!! عجبت لرجل يجيئه أخوه لحاجته فلا يرى نفسه للخير أهلا!! فلو كنا لا نرجو جنة ولا نخاف نارا ولا ننتظر ثوابا ولا نخشى عقابا لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبل النجاح؟ فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم. وما هو خير منه) (أخرجه البيهقي وحسنه ابن كثير). ودروب الخير كثيرة، وأبواب البر مشرعة، وحوائج الناس متنوعة: إطعام جائع، وكسوة عار، وتعليم جاهل، وإعانة عاجز، وإنظار معسر، وإسعاف مفجوع أو أرملة، وبناء مسجد، وتشييد معهد، وإقامة مشفى، وتوفير علاج، ومداواة مريض، وطبع كتاب، ونشر شريط، وتوزيع نشرات، وإقامة ندوات ودورات، وحفر آبار، وزرع أشجار، وتعبيد طرق، وبناء جامعات، وتبني منح وبعثات، وغيرها وغيرها مما يبني الأمة، ويحقق لها التكامل وعدم الازدواجية في العمل، ويوصلها إلى أهدافها المرجوة من غير تقاطع أو تقاعس. ويكفل لها وصول الخير إلى حيث يراد له من دون تكرار أو انقطاع. وتغطى به الحاجات، وتسد الخلات، فلا يطغى باب من المعروف على باب، ولا يهمل وجه دون آخر، ولا يتسلل العدو إلى الأمة من أماكن الضعف، ويستغل منها ثغرات النقص. ونشر الوعي لدى أهل المعروف، ولفت انتباههم إلى المسؤولية الجماعية في بناء المجتمع الإسلامي، وتكامل لبناته، من غير أنانية ولا تراشق للمسؤولية، في إيثار للصالح العام: واجب شرعي، وحق إنساني، على العلماء والوجهاء بيانه، وحث الناس على فهمه، وترغيبهم في التزامه، ليحصل التكافل في المنافع، والتضامن في تخفيف المتاعب، وتقوية أواصر الأخوة، وشد حبال المودة، ودرء استحكام الأنانيات، والقضاء على التفرد وحب الذات. وأخيرا فإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، والمال إن لم تصنع به معروفا، أو تقضي به حاجة، وتدخر لك به أجرا، فما هو إلا لوارث أو لحادث. ومن بذل اليوم قليلا، جناه غدا كثيرا، وتجارة مع الله رابحة، وقرض لله حسن، مردود إليه أضعافا مضاعفة، إذا حرص صاحبه على الكتمان، وتجنب الأذى والمن، وسعى في إصلاح قلبه، وأراد الله والدار الآخرة في بذله. ويبلغ الكرم ذروته، والبذل أسمى غاياته، حين يعلم باذل المعروف أن ما يقدمه هو حق للآخرين، ساقه الله على يديه، فلا يريد منهم جزاء ولا شكورا والله الموفق. وكان معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد رئيس مجلس الأوقاف الأعلى الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ قد وقع مع معالي وزير الصحة الدكتور حمد بن عبدالله المانع يوم السبت التاسع عشر من شهر رجب 1425هـ بمكتب معالي الوزير آل الشيخ في مقر الوزارة بالرياض على مذكرة اتفاق إنشاء صندوق الوقف الصحي تحت إشراف كل من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ووزارة الصحة، بهدف التشجيع على فعل الخير وبذل التبرعات الطوعية في مجال الرعاية الصحية. وقد تحدث معالي الوزير الشيخ صالح آل الشيخ بهذه المناسبة قائلا: إنشاء الصندوق الوقفي الصحي ستكون مهمته - إن شاء الله تعالى- إيجاد الأوقاف على المجالات الصحية المتنوعة التي ترعاها وزارة الصحة، واستثمار هذه الأوقاف فيما يعود بالنفع على مجالات الصحة التي اليوم نجد أن الحاجة ماسة لإيجاد مصادر دخل إضافية للعناية بالجوانب الصحية. وأضاف معاليه قائلا: إنه لا شك أن الشريعة الإسلامية أكدت على عمل الخير وإيجاد الأوقاف في قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ..} [آل عمران: 92]، والصدقة الجارية جاء التأكيد عليها في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وفهم المسلمون والخلفاء الراشدون، ثم دول الإسلام المتعاقبة التي فهمت أن هذه الصدقات الجارية هي إيجاد الأوقاف الثابتة التي ترعى ما فيه مصلحة للمسلمين سواء كانت دينية لهم في بناء المساجد، أو في تعليم القرآن، أو نسخ القرآن، أو ما أشبه ذلك، أو في ما هو في مصلحة دنيوية لهم، مثل إجراء المياه، وفتح الطرق، وبناء المستشفيات، ورعاية المحتاجين، وما أشبه ذلك. واستطرد معاليه قائلا: لذلك نجد أنه في تاريخ الإسلام وجدت الأوقاف الكثيرة على المستشفيات، ووجدت الأوقاف الكثيرة على الرعاية الصحية، بل كانت هذه المستشفيات التي كانت تسمى فيما مضى (البيمارستانات) لا تقوم بشؤونها إلا الأوقاف، فوجدت في كل عواصم الدول الإسلامية القديمة، مثل دمشق، ثم بغداد، فالقاهرة، وأشباه ذلك، وفي تركيا، وغيرها الأوقاف كثيرة على المستشفيات، وهذا لا شك نابع من فهم علماء المسلمين لمعنى الوقف، وأن الوقف الذي (هو تحبيس الأصل وتسبيل الغلة والمنفعة) يجب أن يوجه إلى ما فيه نفع وكل المجال الذي يوقف فيه أكثر نفعا في الدين أو الدنيا، وأكثر حاجة في زمان معين كان الفضل فيه أكثر فقد يكون في وقت من الأوقات أحد أفضل المجالات، ثم في وقت آخر يكون مجال آخر أفضل لأجل شدة الحاجة، ولهذا قال الله تعالى: {فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16)} [البلد]، فصار إطعام المسكين في اليوم المحتاج أعظم، يعادل عتق الرقبة وقرن به لشدة فضله، وهكذا في هذه المجالات، مشيرا معاليه إلى أن هذه الاتفاقية والتوقيع عليها نابعة في الحقيقة من دور مجلس الأوقاف الأعلى في المملكة العربية السعودية. وأوضح معالي الوزير الشيخ صالح آل الشيخ أنه في مناسبة توقيع هذه الاتفاقية، يتبلور دور مجلس الأوقاف الأعلى الآن في المملكة العربية السعودية في توسيع الفهم للمجالات الوقفية، وأن الوقف الإسلامي يشمل جميع المجالات التي يحتاجها الناس في حياتهم، ومجلس الأوقاف الأعلى، ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية وسعت هذا المفهوم، وهي الآن في صدد إنشاء مجموعة من الصناديق الوقفية، حيث سبق أن صدر الأمر من مجلس الوزراء بإنشاء الصندوق الوقفي للمساجد والآن بالمجالات التنموية التي يحتاجها الناس الآن، ونبتدئ بإنشاء الصندوق الوقفي الصحي وسيتبعها - إن شاء الله تعالى - أنواع من الصناديق المتعلقة بالتعليم وبحاجة الناس الأخرى، ونجد أن هذه في الحقيقة مهمة جدا في هذا الصدد. ودعا معالي الشيخ صالح آل الشيخ في كلمته الله تعالى أن يكون لهذه الاتفاقية الأثر الكبير، حاثا معاليه ذوي اليسار الذين أعطاهم الله جل وعلا المال أن يعوا معنى الفضل، وأن فضل الإنفاق راجع إلى عظم الأثر، وكلما كانت الحاجة أشد كان الفضل والأجر أكبر. وقال معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد: إن البعض يظن أن بعض المجالات أفضل من بعض بمجرد نوع العمل وهذا ليس بصحيح، بل في القواعد الشرعية أنه كلما كان العمل أنفع في الدنيا والآخرة كان أكثر فضلا وأكثر أجرا، داعيا معاليه جميع من يرغب في الإسهام في هذا الصندوق الوقفي للعناية بالمحتاجين للخدمات الصحية المتنوعة.
(مجلة الدعوة الاسلامية)