د/المرابط الشنقيطي
07-18-2007, 01:04 AM
مكانة الفتوى
عبدالله محمد السعوي
منذ فجر الإسلام والإفتاء مازال قائماً لترشيد الحراك وتصويب مساره, والارتقاء بالوعي إلى أسمى آفاق الانفتاح. وثمة حضور فاعل متجذر للفاعل الفقهي في الحياة الاجتماعية بمتباين مفرداتها؛ الفتوى كمنتج صناعي تعتبر من القضايا المركبة فهي تستوحى من إسقاط الدوال المتنوعة على الواقع المعقد بظروفه وملابساته؛
إذاً هي مقترنة بمقدمات كبرى وصغرى للوصول إلى نتيجة وهي الفتوى.
وفي تراثنا الفقهي ثمة مساحة رحبة لكتب الفتاوى حتى بات لكل انتماء مذهبي كتبه المطبوعة بطابعه الخاص، ومن ذلك على سبيل المثال فتاوى قامات فقهية عملاقة,قد زخرت المكتبة الإسلامية بآثارها التي ظلت ولا تزال مصدراً من مصادر الإشعاع المعرفي، مثل فتاوى (ابن الصلاح) و(النووي) في المذهب (الشافعي)، والفتاوى (الهندية) والبزارية في المذهب (الحنفي )وفتاوى (ابن رشد) و(الشاطبي) في المذهب (المالكي) وفي واقعنا المعاصر شاع عدد كبير من كتب الفتاوى في البلدان كافة كفتاوى (رشيد رضا) و(محمد شلتوت) و(ابن باز) و(ابن عثيمين) و(الشعراوي) و(القرضاوي) ولعل من أشهر كتب الفتاوى في القديم والحديث فتاوى (ابن تيمية) والتي لها حضورها العميق في المشهد الفقهي؛ إن البناء التركيبي للفتيا يقوم على ركيزتين أساسيتين وهما الأول: حكم شرعي يستوحيه الوعي من دلالات الطاقة اللغوية والدلالية للنص.
الثاني: تنزيل هذا الحكم على الحال المتعين بمحدداته الخاصة,وبناء على هذا فالقصور الذاتي في الفتوى نابع في حقيقته، إما عن قصور في إدراك الحكم أوعن تقصير في وعي الصورة الحقيقية للحال المتموضع..
الفتوى فعل تعبدي يفعله الفاعل الإفتائي ولذا فهو - أو هكذا يفترض- يستفرغ وسعه كافة لإصابة الصوابية وبأكبر قدر ممكن مع استحضار أن البعد النسبي هو الطابع العام لما يخرج به من الاستنباط والاستكشاف. هذا المنطق النسبي قد لا يرد على أذهان معظم المستفتين بل يتعاطون مع الفتوى بوصفها على أعلى درجات الدقة والتحديد مع أنهم قد لا يملكون أي محك قاطع للتثبت من موضوعية ما يعتقدونه.إن الفتوى لا تطرح كمسلمة بديهية بل تباشر على نحو يشي بالنسبية عبر عبارات معتبرة في التراث الفقهي مثل أن يقول المفتي: الأقرب وجوب كذا,والأظهر رجحان كذا ونحوها من أفعال التفضيل التي تؤسس بما تشيعه من احتمالية الخطأ ونسبية الصواب لوعي يحترم التنوع، ويمتلك المرونة الكافية إزاء من يباينه الرؤى.
إن اشتراطات خدمة الحقيقة الفقهية تملي النأي عن لغة الجزم والقطعية,وإيجاد هامش وعلى نحو كاف للخطأ وبالتالي توليد موقف سيكولوجي متزن يعين على معاينة مختلف الاعتبارات بقالب حيادي متجرد. لقد فصل أهل الاختصاص وأسهبوا في الحديث عن المفتي وشروط الفتوى,وشددوا في ذلك و(ابن القيم) في (إعلام الموقعين) يؤكد على أن سلفنا المتقدمين كانوا (يكرهون التسرع في الفتوى ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره) والإمام (مالك) كما ينقل عنه (الهيثم بن جميل) سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري؛ والعلماء الأفاضل قد وضعوا علم (أصول الفقه) لتصحيح التعاطي مع النص وبذلوا جهداً في تجلية دلالات الحقيقة والمجاز,والمتواتر والآحاد,والمطلق والمقيد,وما تشعه صيغ الأمر والنهي والاستفهام من دلالات؛ لأن المفتي يوقع عن الله وهو كما يقول: الشاطبي (شارع واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله) انظر (الموافقات)4-244، والإمام (الشافعي) يذكر شيئاً من شروط المفتي فيذكر منها (العلم بكتاب الله,فرضه وأدبه,وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه وإرشاده ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله، فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين فإن لم يكن إجماعا فبالقياس) انظر (الرسالة) 509- 510.
إن ضخامة الدور الإرشادي الذي يباشره الفاعل الفقهي يفرض عليه التوافر على بنية معرفية رحبة تؤمن له الأطر التي يعمل على ضوئها وتهيئ له إمكانات واسعة في فهم طبائع الأشياء والحكم عليها.
كلما خطا العقل خطوة في اتجاه تنمية رصيده العلمي كان أكثر مرونة وأقل تشدداً؛ لذا فالمفتي (البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على الوسط المعهود فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال) انظر (الموافقات في أصول الشريعة) ل(الشاطبي)4- 607. إن العقل الفقهي عندما يحتفظ بلون من الحيوية وبدرجة عليا من الاستقلال الفكري فسينأى عن التمسك بموروث اجتماعي غير مسوغ، بل لا يتعصب لمدرسة مذهبية دون آخر بل ضالته الحقيقة مهما كان مصدرها.
وأهل الاختصاص قد قرروا المنع من التزام مذهب فقهي دون غيره، وأكدوا على أنه (لا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول - صلى الله عليه وسلم- في كل ما يوجبه ويخبربه كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- انظر (الفتاوى) 20-208.
إن المتأمل في المشهد الراهن يدرك أن الفتوى باتت كلأً مباحاً لكل شخص على نحو أفقد هذه الصنعة الجليلة اعتباراتها.
ثمة ابتذال جلي للفتوى، فقد تجرأ عليها -في ظل قلة الكفاءات- أنصاف وأرباع الفقهاء مما أفقدها مصداقيتها واستقلاليتها ونجاحها العملي.
ثمة تنافس محموم بين القنوات الفضائية التي تسعى بفعل الرغبة في اكتساب أكبر قدر ممكن من المشاهدين إلى استقطاب من يتصدى - مع أنه غير مؤهل لذلك- للإجابة على الأسئلة في مختلف التخصصات ومشيخته (أي جعله شيخا) لينطق عن الهوى ليهوي بمستهلك فتواه إلى حضيض الجهل.
لقد قرر العلماء الأفاضل (الحجر) على المفتي الجاهل (الذي لا يبالي بما صنع أو يعلم الناس الحيل الباطلة ولا يبالي بتحريم الحرام فهذا ضرره متعد للعامة) انظر (الكفاية شرح الهداية) 8-195 لقد باتت كلمة (لا أعلم أو لا أدري) غير موجودة في قاموس جملة من نجوم الإعلام المتلفز ومتصدري الفتوى فالواحد منهم يخوض في قضايا مصيرية تتناول أبعاداً حياتية متباينة فكرية وسياسية ومعتقدية ومذهبية,ويطلق أحكاماً قاطعة,ويتعاطى أقوالاً لا يبرر الاستشهاد بها,إنه يهرف بما لا يعرف على نحو لا ينم عن متكلم حصيف ومؤثر بقدر ما يفصح عن (ثرثار) يعاني من (خور) حاد على صعيد المعنى والكينونة؛ إنه يسهب في حديثه فهو ينطق لكنه لا يقول شيئاً,هذا الإسهاب الممل ليس سوى انعكاس مشاعري,الثرثرة هي المعبر الأمثل عن مدى تجذر فيضه,النجم الفضائي الأعلى استقطاباً هو النجم الأكثر هذراً,هو النجم الأقل استدعاء لكلمات من قبيل (لأعلم,أظن,أشك)؛ إن مصداقية المفتي شرط لموضوعية فتواه فهو: (إذا سئل - أي العالم - عن ما لم يعلمه قال:لا أعلمه,أو لا أدري فمن العلم أن يقول: لأعلم) انظر (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم) ل(ابن جماعة) ص49 ثمة أمران على درجة من الأهمية يجدر ذكرها في هذا السياق الفتوائي، أولاً أهمية ترشيد الأسئلة من قبل المستفتين؛ لأن الأسئلة تعتبر من وجه ما جزء من الأجوبة.
السؤال تجسيد حي لعبادة نصت عليها الآية الكريمة {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ}، ومن هذا المنطلق يتحتم على السائل أن يتجرد من دواعي الهواء وحظوظ النفس على نحو يعين على الوصول إلى الحقيقة المتغياة.
إن صوابية السؤال شرط موضوعي لإسقاط الإجابة على المفردة محل السؤال.
قوالب الأسئلة المنضبطة والمحددة شأن لا مناص من توسله في سياق البحث عن الحقيقة المتوخاة.
أحياناً آلية طرح بعض الأسئلة تستبطن في مضمرها توجيهاً للمفتي ليعتمد قولاً معيناً دون آخر,وإلجاء له إلى مباشرة فتوى كان السائل سلفاً يرمي إليها.جملة كثيرة من الأسئلة يراد منها إيحائياً التلبيس على المفتي واستغلال نقاء طويته وحملة على تبني رؤية تتقاطع مع ما يتغياه المستفهم، وهكذا يبدو السؤال كآلية تضليلية محكمة البناء، إن ترشيد الأداء الإفتائي يملي عدم الإجابة على جملة من الأسئلة على نحو مباشر- ولو مرحلياً على الأقل- ولفت انتباه السائل إلى ما هو أولى بالسؤال عنه واعتماد ما يسمى في علوم البلاغة ب(أسلوب الحكيم) ثانياً: في خضم هذا الموج الإفتائي يتحتم استفتاء من يملك أدوات الفتوى والذي ينطوي على قدر عال من الصدق والأمانة العلمية وتجنب الدخلاء المتطفلين على الفتيا والذين يتعدى ضررهم.يقول (ابن حزم) في (مداواة النفوس): (لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون ويقدرون أنهم يصلحون) إن تقنين صناعة الفتوى وصياغة آلية لضبط مسائلها هو الشأن الذي يفترض أن يصار إليه لتفويت الفرصة على الأدعياء,وقطع الطريق أمام المتطفلين.
abdallah_mhd@hotmail.Com
جريدة الجزيرة (http://www.al-jazirah.com/147426/ar3d.htm)
عبدالله محمد السعوي
منذ فجر الإسلام والإفتاء مازال قائماً لترشيد الحراك وتصويب مساره, والارتقاء بالوعي إلى أسمى آفاق الانفتاح. وثمة حضور فاعل متجذر للفاعل الفقهي في الحياة الاجتماعية بمتباين مفرداتها؛ الفتوى كمنتج صناعي تعتبر من القضايا المركبة فهي تستوحى من إسقاط الدوال المتنوعة على الواقع المعقد بظروفه وملابساته؛
إذاً هي مقترنة بمقدمات كبرى وصغرى للوصول إلى نتيجة وهي الفتوى.
وفي تراثنا الفقهي ثمة مساحة رحبة لكتب الفتاوى حتى بات لكل انتماء مذهبي كتبه المطبوعة بطابعه الخاص، ومن ذلك على سبيل المثال فتاوى قامات فقهية عملاقة,قد زخرت المكتبة الإسلامية بآثارها التي ظلت ولا تزال مصدراً من مصادر الإشعاع المعرفي، مثل فتاوى (ابن الصلاح) و(النووي) في المذهب (الشافعي)، والفتاوى (الهندية) والبزارية في المذهب (الحنفي )وفتاوى (ابن رشد) و(الشاطبي) في المذهب (المالكي) وفي واقعنا المعاصر شاع عدد كبير من كتب الفتاوى في البلدان كافة كفتاوى (رشيد رضا) و(محمد شلتوت) و(ابن باز) و(ابن عثيمين) و(الشعراوي) و(القرضاوي) ولعل من أشهر كتب الفتاوى في القديم والحديث فتاوى (ابن تيمية) والتي لها حضورها العميق في المشهد الفقهي؛ إن البناء التركيبي للفتيا يقوم على ركيزتين أساسيتين وهما الأول: حكم شرعي يستوحيه الوعي من دلالات الطاقة اللغوية والدلالية للنص.
الثاني: تنزيل هذا الحكم على الحال المتعين بمحدداته الخاصة,وبناء على هذا فالقصور الذاتي في الفتوى نابع في حقيقته، إما عن قصور في إدراك الحكم أوعن تقصير في وعي الصورة الحقيقية للحال المتموضع..
الفتوى فعل تعبدي يفعله الفاعل الإفتائي ولذا فهو - أو هكذا يفترض- يستفرغ وسعه كافة لإصابة الصوابية وبأكبر قدر ممكن مع استحضار أن البعد النسبي هو الطابع العام لما يخرج به من الاستنباط والاستكشاف. هذا المنطق النسبي قد لا يرد على أذهان معظم المستفتين بل يتعاطون مع الفتوى بوصفها على أعلى درجات الدقة والتحديد مع أنهم قد لا يملكون أي محك قاطع للتثبت من موضوعية ما يعتقدونه.إن الفتوى لا تطرح كمسلمة بديهية بل تباشر على نحو يشي بالنسبية عبر عبارات معتبرة في التراث الفقهي مثل أن يقول المفتي: الأقرب وجوب كذا,والأظهر رجحان كذا ونحوها من أفعال التفضيل التي تؤسس بما تشيعه من احتمالية الخطأ ونسبية الصواب لوعي يحترم التنوع، ويمتلك المرونة الكافية إزاء من يباينه الرؤى.
إن اشتراطات خدمة الحقيقة الفقهية تملي النأي عن لغة الجزم والقطعية,وإيجاد هامش وعلى نحو كاف للخطأ وبالتالي توليد موقف سيكولوجي متزن يعين على معاينة مختلف الاعتبارات بقالب حيادي متجرد. لقد فصل أهل الاختصاص وأسهبوا في الحديث عن المفتي وشروط الفتوى,وشددوا في ذلك و(ابن القيم) في (إعلام الموقعين) يؤكد على أن سلفنا المتقدمين كانوا (يكرهون التسرع في الفتوى ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره) والإمام (مالك) كما ينقل عنه (الهيثم بن جميل) سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري؛ والعلماء الأفاضل قد وضعوا علم (أصول الفقه) لتصحيح التعاطي مع النص وبذلوا جهداً في تجلية دلالات الحقيقة والمجاز,والمتواتر والآحاد,والمطلق والمقيد,وما تشعه صيغ الأمر والنهي والاستفهام من دلالات؛ لأن المفتي يوقع عن الله وهو كما يقول: الشاطبي (شارع واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله) انظر (الموافقات)4-244، والإمام (الشافعي) يذكر شيئاً من شروط المفتي فيذكر منها (العلم بكتاب الله,فرضه وأدبه,وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه وإرشاده ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله، فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين فإن لم يكن إجماعا فبالقياس) انظر (الرسالة) 509- 510.
إن ضخامة الدور الإرشادي الذي يباشره الفاعل الفقهي يفرض عليه التوافر على بنية معرفية رحبة تؤمن له الأطر التي يعمل على ضوئها وتهيئ له إمكانات واسعة في فهم طبائع الأشياء والحكم عليها.
كلما خطا العقل خطوة في اتجاه تنمية رصيده العلمي كان أكثر مرونة وأقل تشدداً؛ لذا فالمفتي (البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على الوسط المعهود فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال) انظر (الموافقات في أصول الشريعة) ل(الشاطبي)4- 607. إن العقل الفقهي عندما يحتفظ بلون من الحيوية وبدرجة عليا من الاستقلال الفكري فسينأى عن التمسك بموروث اجتماعي غير مسوغ، بل لا يتعصب لمدرسة مذهبية دون آخر بل ضالته الحقيقة مهما كان مصدرها.
وأهل الاختصاص قد قرروا المنع من التزام مذهب فقهي دون غيره، وأكدوا على أنه (لا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول - صلى الله عليه وسلم- في كل ما يوجبه ويخبربه كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- انظر (الفتاوى) 20-208.
إن المتأمل في المشهد الراهن يدرك أن الفتوى باتت كلأً مباحاً لكل شخص على نحو أفقد هذه الصنعة الجليلة اعتباراتها.
ثمة ابتذال جلي للفتوى، فقد تجرأ عليها -في ظل قلة الكفاءات- أنصاف وأرباع الفقهاء مما أفقدها مصداقيتها واستقلاليتها ونجاحها العملي.
ثمة تنافس محموم بين القنوات الفضائية التي تسعى بفعل الرغبة في اكتساب أكبر قدر ممكن من المشاهدين إلى استقطاب من يتصدى - مع أنه غير مؤهل لذلك- للإجابة على الأسئلة في مختلف التخصصات ومشيخته (أي جعله شيخا) لينطق عن الهوى ليهوي بمستهلك فتواه إلى حضيض الجهل.
لقد قرر العلماء الأفاضل (الحجر) على المفتي الجاهل (الذي لا يبالي بما صنع أو يعلم الناس الحيل الباطلة ولا يبالي بتحريم الحرام فهذا ضرره متعد للعامة) انظر (الكفاية شرح الهداية) 8-195 لقد باتت كلمة (لا أعلم أو لا أدري) غير موجودة في قاموس جملة من نجوم الإعلام المتلفز ومتصدري الفتوى فالواحد منهم يخوض في قضايا مصيرية تتناول أبعاداً حياتية متباينة فكرية وسياسية ومعتقدية ومذهبية,ويطلق أحكاماً قاطعة,ويتعاطى أقوالاً لا يبرر الاستشهاد بها,إنه يهرف بما لا يعرف على نحو لا ينم عن متكلم حصيف ومؤثر بقدر ما يفصح عن (ثرثار) يعاني من (خور) حاد على صعيد المعنى والكينونة؛ إنه يسهب في حديثه فهو ينطق لكنه لا يقول شيئاً,هذا الإسهاب الممل ليس سوى انعكاس مشاعري,الثرثرة هي المعبر الأمثل عن مدى تجذر فيضه,النجم الفضائي الأعلى استقطاباً هو النجم الأكثر هذراً,هو النجم الأقل استدعاء لكلمات من قبيل (لأعلم,أظن,أشك)؛ إن مصداقية المفتي شرط لموضوعية فتواه فهو: (إذا سئل - أي العالم - عن ما لم يعلمه قال:لا أعلمه,أو لا أدري فمن العلم أن يقول: لأعلم) انظر (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم) ل(ابن جماعة) ص49 ثمة أمران على درجة من الأهمية يجدر ذكرها في هذا السياق الفتوائي، أولاً أهمية ترشيد الأسئلة من قبل المستفتين؛ لأن الأسئلة تعتبر من وجه ما جزء من الأجوبة.
السؤال تجسيد حي لعبادة نصت عليها الآية الكريمة {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ}، ومن هذا المنطلق يتحتم على السائل أن يتجرد من دواعي الهواء وحظوظ النفس على نحو يعين على الوصول إلى الحقيقة المتغياة.
إن صوابية السؤال شرط موضوعي لإسقاط الإجابة على المفردة محل السؤال.
قوالب الأسئلة المنضبطة والمحددة شأن لا مناص من توسله في سياق البحث عن الحقيقة المتوخاة.
أحياناً آلية طرح بعض الأسئلة تستبطن في مضمرها توجيهاً للمفتي ليعتمد قولاً معيناً دون آخر,وإلجاء له إلى مباشرة فتوى كان السائل سلفاً يرمي إليها.جملة كثيرة من الأسئلة يراد منها إيحائياً التلبيس على المفتي واستغلال نقاء طويته وحملة على تبني رؤية تتقاطع مع ما يتغياه المستفهم، وهكذا يبدو السؤال كآلية تضليلية محكمة البناء، إن ترشيد الأداء الإفتائي يملي عدم الإجابة على جملة من الأسئلة على نحو مباشر- ولو مرحلياً على الأقل- ولفت انتباه السائل إلى ما هو أولى بالسؤال عنه واعتماد ما يسمى في علوم البلاغة ب(أسلوب الحكيم) ثانياً: في خضم هذا الموج الإفتائي يتحتم استفتاء من يملك أدوات الفتوى والذي ينطوي على قدر عال من الصدق والأمانة العلمية وتجنب الدخلاء المتطفلين على الفتيا والذين يتعدى ضررهم.يقول (ابن حزم) في (مداواة النفوس): (لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون ويقدرون أنهم يصلحون) إن تقنين صناعة الفتوى وصياغة آلية لضبط مسائلها هو الشأن الذي يفترض أن يصار إليه لتفويت الفرصة على الأدعياء,وقطع الطريق أمام المتطفلين.
abdallah_mhd@hotmail.Com
جريدة الجزيرة (http://www.al-jazirah.com/147426/ar3d.htm)