طلحة الدهلوي
03-12-2007, 06:05 PM
العمل الخيري: مسؤولية (الفصل) وجناية (الخلط)
قد يتغشى القارئ عجب فيسأل: ما أهمية موضوع جزئي (العمل الخيري الإنساني)، وما مكانته بين (القضايا الكبرى) التي تصطفق وتتزاحم في أفق الكوكب وعلى أرضه، في هذه الظروف، اي بعد الفتنة الدولية التي استيقظت في 11 سبتمبر عام 2001؟ والجواب مركب من خمس:
أولها: ان العمل الخيري الانساني ليس أمرا جزئيا ولا ثانويا، بل هو قضية كبرى ايضا. فالقضايا بقيمتها الذاتية، وبمقدار ما تقدمه للانسان من عطاء وعون ونفع. ونحسب ان الجدل منتف حول المنافع الكثر التي يسديها العمل الخيري للانسان، بصفة خاصة في عالم اشتد فيه التفاوت بين الاغنياء جدا والفقراء جدا، وتزايدت حاجات الفقراء فيه الى كل شيء لا تقوم حياتهم إلا به.
ثانيها: ان العمل الخيري الانساني: مقوّم اساس من مقومات (المجتمع المدني) الذي لا يكاد الحديث عنه ـ في المنتديات الفكرية والثقافية والاجتماعية، وفي وسائل الاعلام ـ يتوقف، او يفتر، او يخفق له نبر في صوت.
ثالثها: ان العمل الخيري الانساني قد زج به في أتون المعمعة الراهنة، وبطريقة توحي وكأن تدميره هدف مقصود (العمل الخيري الاسلامي طبعا)، ولذلك نبهت الأمم المتحدة الى ان «الحرب المالية على الارهاب اتسمت بالتخبط والتشويش».
رابعها: ان العمل الخيري الانساني لمّا كان عملا (غير سري)، وغير (قابل للنقض) من حيث مسؤولية البذل والعطاء وإغاثة الملهوف، ومن حيث وجود فقراء ومكروبين ـ مسلمين وغير مسلمين ـ لما كان الموضوع بهذه المثابة، تعين تناوله بما يستحق من اهتمام وطرْق ومعالجة. فهو قضية (رأي عام) من جهة، وقضية (تمكين) ملايين الناس من الحياة الكريمة من جهة أخرى.
خامسها: انه قد انعقد في الاسبوع الماضي، في المملكة العربية السعودية: ملتقى للعمل الخيري انتظم الجمعيات كافة التي تعمل في هذا الحقل، وهو الملتقى الذي رعاه ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولهذه الرعاية مكانتها ورمزها ومغزاها وثقلها.
وهذه المناسبة كافية ـ وحدها ـ لجعل العمل الخيري قضية تطرح بجد ووضوح، وبما يتناسب مع قيمتها ونفعها.
مذ باشر الفاعلون تلك الفتنة القاصمة في سبتمبر عام 2001، توجهت سهام الاتهام والتشويه والحرق الى (العمل الخيري السعودي)، وهي حملات كشفت ان هناك (حقدا تراكم عبر عشرات السنين) ثم وجد الفرصة ليتفجر كله جملة واحدة، وبفجور تحلل من كل التزام قانوني وحضاري وأخلاقي وإنساني.
ومن أظهر تداعيات (الفتنة الارهابية الدولية): طغيان الأكاذيب الشاملة، إذ غدت هذه الأكاذيب هي (العملة الأولى الرائجة في سوق سبتمبر).
ولقد رزئ العمل الخيري السعودي بأكبر كم من هذه الأكاذيب.
مثلا: التقرير الذي اصدره (مجلس العلاقات الخارجية) الامريكي بتاريخ 17/10/2002، فهذا التقرير اتهم اثرياء سعوديين كثيرين، واتهم الجمعيات الخيرية السعودية: اتهم هؤلاء جميعا بأنهم يمولون الارهاب بوجه عام، ويمولون (القاعدة) بوجه خاص!!
وما ادعاه التقرير (كذبة ضخمة).. والذين يثبتون هذه الكذبة (العالمية) لسنا نحن، بل مسؤولون امريكيون: حاليون وسابقون. وهذه شهاداتهم:
1 ـ شهادة روبرت نيكولز، نائب مساعد وزير الخزانة الامريكي للشؤون العامة، فقد قال: «إن التقرير معيب بصورة خطيرة».
2 ـ شهادة جريج سوليفان، المتحدث باسم مكتب الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الامريكية، إذ قال: «إن وزارة الخارجية لا تجد في تقرير مجلس العلاقات الخارجية شيئا جديدا فيما يتعلق بالمنظمات الخيرية السعودية، بل ليس فيه ما يتطابق مع الواقع، وفي احسن الأحوال هو تقرير سطحي، ويخلو من اي مادة حقيقية، هو تقرير يتسم بالعمومية الشديدة، ولا يتضمن اية اتهامات جادة، او اي شيء يثبت القصور السعودي. واني اشعر بالاحباط الشديد من المتطرفين في وسائل الاعلام الأمريكية الذين يفسرون تصرف الحكومات على الوجه الأسوأ».
3 ـ شهادة جيمي جورول، وهو المسؤول المختص عن وقف مصادر التمويل للجماعات الارهابية، حيث قال: «إن القائمة التي انتظمت 12 اسما متهما بتمويل الارهاب، لا تتضمن اسم اي سعودي».
4 ـ شهادة ريتشارد ميرفي، الدبلوماسي الامريكي السابق الذي قال: «لقد اصبت بالدهشة عند سماع هذا التقرير، فالمعلومات الموجودة فيه لا ترقى الى مستوى الدقة. ولا اعرف: ما هو الأساس الذي بنى عليه التقرير استنتاجاته. إن التقرير يعكس المزيد من عجز الولايات المتحدة في تعقب الأموال الارهابية».
إذن، التقرير كذاب.. ولكن ماذا وراءه؟.. الأسباب كثيرة، ومن بينها، بل في طليعتها: ان الصهيونية ضاقت الى درجة الاختناق من العون السعودي الخيري والانساني المقدم للشعب الفلسطيني. فالمؤسسة الصهيونية تجوّع الشعب الفلسطيني، وتقتله، وتدمر بنيانه، ولا تريد ان يكون على وجه الأرض من يطعمه، ويكفل أيتامه، ويعيد بناء المدمر من بيوته ومؤسساته، بل تكره من يفعل ذلك كراهية الشيطان لفعل الخير. وما هو بالمجازفة الفكرية والمعلوماتية ان نقول: إن أنفاس الصهيونية مغروسة في ذلك التقرير الكذوب. ومن هنا فهو تقرير يخدم الصهيونية، ولا يخدم صورة امريكا، ولا أمنها.
ومهما يكن من شأن، فإن الصدع بالحق هو الذي ينبغي ان يسود لكي يتعامل العالم مع (الحقائق) النافعة، لا مع أوهام الصهيونية، ولا مع اهواء غيرها.
ما هي هذه الحقائق؟
حقيقة: ان فعل الخير (حق) من حقوق الانسان، حق على الباذل المعطي، وحق للآخذ المتلقي.
وحقيقة: ان قطاعات واسعة من البشرية المعاصرة يغتالها الجوع والبؤس، وان الواجب الانساني يقضي على القادر من الناس ان ينقذ من يستطيع من الناس من مخالب الجوع والبؤس.. والغريب ـ ها هنا ـ ان الجهات نفسها تتهم السعوديين بأنهم يتمتعون بخيراتهم دون سواهم. فاذا سارعوا الى مد يد العون لغيرهم اتهموهم بتمويل الارهاب. وحين تتناقض التهم وتتناطح تسقط التهمة قطعا.
وحقيقة: ان الشعب السعودي يعيش فوق ارض شهدت فيضا غدقا ونادرا ـ في التاريخ الاجتماعي الانساني ـ من السخاء والجود والعطاء، ينبوعه الجبلة والطبع وتقاليد البيئة التي كانت تتواطأ على ذم البخل والبخلاء قبل مجيء الإسلام.
وحقيقة: ان منهج الاسلام جاء فوكد على هذا الطبع النبيل، بعد ان زوده بالباعث الحق، والمقصد الأسمى. فالانفاق أصل خيري وإنساني عظيم من اصول الإسلام. ومن الأدلة الحاسمة على ذلك ان حيثيات المصير التعيس في الدار الآخرة هي: ترك الصلاة، وعدم اطعام المسكين: «ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين». فهذا ربط منهجي ووظيفي وغائي بين مسؤولية العبادة، وواجب تخفيف الآلام عن الانسان.
وحقيقة: (الاحياء الحضاري) الذي يصل حاضرنا بماضينا، ويجعل رصيد الأمس قاعدة لحضارة إنسانية متألقة في الحاضر والمستقبل. فقد كان أسلافنا (ولنا حق استحضار نموذجهم النافع الحافز كما للامريكيين حق الافتخار بآبائهم المؤسسين)، كان أسلافنا يتفننون في صور العمل الانساني تفننا لم يسبقهم اليه أحد. مثلا: قرر فقهاء المسلمين: انه اذا لجأت هرة عمياء الى بيت شخص، وجبت نفقتها عليه، وحرم عليه طردها، ومن يَبَرّ الهرة او القطة، يَبَرّ الإنسان بداهة.. فقد كان هناك وقف خيري إنساني يتمثل في انابيب عامة، ابتكرت في عهد صلاح الدين الأيوبي، يتدفق منها اللبن والسكر لكي تتمكن الأمهات الفقيرات في مصر والشام من تغذية اطفالهن الرضع.. فهل تضيق البشرية وتمرض اليوم، اذا ازدانت الأرض بمثل هذه الأعمال الباهرة؟.. من الغريب: انهم يتهموننا بأننا غير متحضرين، فاذا باشرنا التحضر من خلال عمل انساني خيري صاحوا: وَيْ.. وَيْ: انهم يمولون الارهاب!!
وحقيقة: ان للسعوديين روابط إسلامية بمسلمي العالم، نص عليها القرآن، وسنة النبي، ونص عليها ـ تبعا ـ النظام الأساسي للحكم.. ولهم روابط انسانية مع الناس جميعا، نص عليها القرآن، وسنة النبي، ونص عليها ـ تبعا ـ النظام الأساسي للحكم.. ومن الصدق والوفاء لهذه الروابط: تقديم المساعدات الخيرية للمسلمين وللناس أجمعين، وفق الترتيب المنهجي لدوائر تلقي البذل والعطاء والانفاق: هنا وهناك.
وحقيقة: ان الدفاع عن اصل العمل الخيري، وأحقيته، وأهميته، لا يعني ـ قط ـ انه (معصوم) من الخطأ. فما يقول ذلك امرؤ يحترم دينه وعقله، ويحترم عقول الآخرين، ويحترم الواقع، ويحرص على سلامة مسيرة العمل الخيري واطرادها. وهي حقيقة تمهد للحقيقة التالية:
حقيقة: ان العمل الخيري الانساني ليس (فوضى) عامة، ولا أمرا فرطا. وتقتضي هذه الحقيقة ـ بموجب المنطق العملي ـ : (هندسة) العمل الخيري. فالمطلوب الهندسة، والضبط، والترشيد، لا الالغاء، ولا الكبت. فكبت العمل الخيري يتطلب رسم خطة عشرية او عشرينية تستهدف (وأد دوافع الخير) في نفوس الناس، وما هذا بعمل رشيد، ولا هو بمستطاع.
ومن الهندسة المطلوبة: حماية العمل الخيري من الغفلة والاستغفال والالتواء والاستغلال.. إن الحرص على العمل الخيري من هذه الموبقات: سلوك مبني على صدق التوجه، وصدق البذل، وصدق الغاية، فالله طيب لا يقبل إلا طيبا. ومن الطيب المقبول عند الله ـ جل شأنه ـ : ان ينْقه العمل الخيري من هذه الآفات. نعم. ينبغي ان يكون الساعون بالخير وللخير: أحرص الناس على حمايته من الاستغلال والتشويه، وأحرص الناس على وقايته من الألاعيب السياسية، والكهنوت السري، ذلك ان المغامرة بهذا العمل الجليل القدر والأثر والمثوبة: برهان غفلة، أو عبث، أو سوء قصد وفساد نية، أو نقصان عقل + فرط حماسة. وليس ذلك من خصال اولياء الله، ولا من صفات محبي الخير للأمة.. لا يكفي انفاق المال وتقديمه، بل لا بد من الاستيثاق من المصرف أو الوجه الذي يتوجه اليه المال. فالوعي الدائم بالغاية الصحيحة: أمر ملازم لصحة العبادات والقربات.. ومن صور هندسة العمل الخيري: ان يكون كله (في النور): علنياً كله. فالعمل الخيري ليس (خطة انقلاب) تبرم في السر والظلام. وإنما هو عمل يتوخى إغاثة الملهوف والمحتاج، وتعليم الجاهل، وتفريج الكربة عن ذي كربة، وليس في ذلك ما هو سر: دفين أو غير دفين.
والخلاصة المتعينة المحددة هي: مباشرة مسؤولية الفصل البصير الحازم بين العمل الخيري وبين غيره من التصرفات التي تشينه وتكون ذريعة لوأده أو محاصرته في اضيق نطاق ـ والمتسبب في الشر كفاعله ـ . وهي مسؤولية مقترنة ـ في ذات اللحظة ولنفس السبب ـ بالتحرر من جناية الخلط في هذه القضية.. ومقترنة بهندسة العمل الخيري ـ في الحاضر والمستقبل ـ : هندسة ترتكز على وضوح الهدف، الى درجة التألق، وعلى سلامة الوسيلة والأسلوب وعلى شفافية الادارة في الجمع والتوزيع، أو التحصيل والانفاق.
المصدر(الشرق الأوسط جريدة العرب الدولية)
السبـت 19 شعبـان 1423 هـ 26 اكتوبر 2002 العدد 8733
قد يتغشى القارئ عجب فيسأل: ما أهمية موضوع جزئي (العمل الخيري الإنساني)، وما مكانته بين (القضايا الكبرى) التي تصطفق وتتزاحم في أفق الكوكب وعلى أرضه، في هذه الظروف، اي بعد الفتنة الدولية التي استيقظت في 11 سبتمبر عام 2001؟ والجواب مركب من خمس:
أولها: ان العمل الخيري الانساني ليس أمرا جزئيا ولا ثانويا، بل هو قضية كبرى ايضا. فالقضايا بقيمتها الذاتية، وبمقدار ما تقدمه للانسان من عطاء وعون ونفع. ونحسب ان الجدل منتف حول المنافع الكثر التي يسديها العمل الخيري للانسان، بصفة خاصة في عالم اشتد فيه التفاوت بين الاغنياء جدا والفقراء جدا، وتزايدت حاجات الفقراء فيه الى كل شيء لا تقوم حياتهم إلا به.
ثانيها: ان العمل الخيري الانساني: مقوّم اساس من مقومات (المجتمع المدني) الذي لا يكاد الحديث عنه ـ في المنتديات الفكرية والثقافية والاجتماعية، وفي وسائل الاعلام ـ يتوقف، او يفتر، او يخفق له نبر في صوت.
ثالثها: ان العمل الخيري الانساني قد زج به في أتون المعمعة الراهنة، وبطريقة توحي وكأن تدميره هدف مقصود (العمل الخيري الاسلامي طبعا)، ولذلك نبهت الأمم المتحدة الى ان «الحرب المالية على الارهاب اتسمت بالتخبط والتشويش».
رابعها: ان العمل الخيري الانساني لمّا كان عملا (غير سري)، وغير (قابل للنقض) من حيث مسؤولية البذل والعطاء وإغاثة الملهوف، ومن حيث وجود فقراء ومكروبين ـ مسلمين وغير مسلمين ـ لما كان الموضوع بهذه المثابة، تعين تناوله بما يستحق من اهتمام وطرْق ومعالجة. فهو قضية (رأي عام) من جهة، وقضية (تمكين) ملايين الناس من الحياة الكريمة من جهة أخرى.
خامسها: انه قد انعقد في الاسبوع الماضي، في المملكة العربية السعودية: ملتقى للعمل الخيري انتظم الجمعيات كافة التي تعمل في هذا الحقل، وهو الملتقى الذي رعاه ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولهذه الرعاية مكانتها ورمزها ومغزاها وثقلها.
وهذه المناسبة كافية ـ وحدها ـ لجعل العمل الخيري قضية تطرح بجد ووضوح، وبما يتناسب مع قيمتها ونفعها.
مذ باشر الفاعلون تلك الفتنة القاصمة في سبتمبر عام 2001، توجهت سهام الاتهام والتشويه والحرق الى (العمل الخيري السعودي)، وهي حملات كشفت ان هناك (حقدا تراكم عبر عشرات السنين) ثم وجد الفرصة ليتفجر كله جملة واحدة، وبفجور تحلل من كل التزام قانوني وحضاري وأخلاقي وإنساني.
ومن أظهر تداعيات (الفتنة الارهابية الدولية): طغيان الأكاذيب الشاملة، إذ غدت هذه الأكاذيب هي (العملة الأولى الرائجة في سوق سبتمبر).
ولقد رزئ العمل الخيري السعودي بأكبر كم من هذه الأكاذيب.
مثلا: التقرير الذي اصدره (مجلس العلاقات الخارجية) الامريكي بتاريخ 17/10/2002، فهذا التقرير اتهم اثرياء سعوديين كثيرين، واتهم الجمعيات الخيرية السعودية: اتهم هؤلاء جميعا بأنهم يمولون الارهاب بوجه عام، ويمولون (القاعدة) بوجه خاص!!
وما ادعاه التقرير (كذبة ضخمة).. والذين يثبتون هذه الكذبة (العالمية) لسنا نحن، بل مسؤولون امريكيون: حاليون وسابقون. وهذه شهاداتهم:
1 ـ شهادة روبرت نيكولز، نائب مساعد وزير الخزانة الامريكي للشؤون العامة، فقد قال: «إن التقرير معيب بصورة خطيرة».
2 ـ شهادة جريج سوليفان، المتحدث باسم مكتب الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الامريكية، إذ قال: «إن وزارة الخارجية لا تجد في تقرير مجلس العلاقات الخارجية شيئا جديدا فيما يتعلق بالمنظمات الخيرية السعودية، بل ليس فيه ما يتطابق مع الواقع، وفي احسن الأحوال هو تقرير سطحي، ويخلو من اي مادة حقيقية، هو تقرير يتسم بالعمومية الشديدة، ولا يتضمن اية اتهامات جادة، او اي شيء يثبت القصور السعودي. واني اشعر بالاحباط الشديد من المتطرفين في وسائل الاعلام الأمريكية الذين يفسرون تصرف الحكومات على الوجه الأسوأ».
3 ـ شهادة جيمي جورول، وهو المسؤول المختص عن وقف مصادر التمويل للجماعات الارهابية، حيث قال: «إن القائمة التي انتظمت 12 اسما متهما بتمويل الارهاب، لا تتضمن اسم اي سعودي».
4 ـ شهادة ريتشارد ميرفي، الدبلوماسي الامريكي السابق الذي قال: «لقد اصبت بالدهشة عند سماع هذا التقرير، فالمعلومات الموجودة فيه لا ترقى الى مستوى الدقة. ولا اعرف: ما هو الأساس الذي بنى عليه التقرير استنتاجاته. إن التقرير يعكس المزيد من عجز الولايات المتحدة في تعقب الأموال الارهابية».
إذن، التقرير كذاب.. ولكن ماذا وراءه؟.. الأسباب كثيرة، ومن بينها، بل في طليعتها: ان الصهيونية ضاقت الى درجة الاختناق من العون السعودي الخيري والانساني المقدم للشعب الفلسطيني. فالمؤسسة الصهيونية تجوّع الشعب الفلسطيني، وتقتله، وتدمر بنيانه، ولا تريد ان يكون على وجه الأرض من يطعمه، ويكفل أيتامه، ويعيد بناء المدمر من بيوته ومؤسساته، بل تكره من يفعل ذلك كراهية الشيطان لفعل الخير. وما هو بالمجازفة الفكرية والمعلوماتية ان نقول: إن أنفاس الصهيونية مغروسة في ذلك التقرير الكذوب. ومن هنا فهو تقرير يخدم الصهيونية، ولا يخدم صورة امريكا، ولا أمنها.
ومهما يكن من شأن، فإن الصدع بالحق هو الذي ينبغي ان يسود لكي يتعامل العالم مع (الحقائق) النافعة، لا مع أوهام الصهيونية، ولا مع اهواء غيرها.
ما هي هذه الحقائق؟
حقيقة: ان فعل الخير (حق) من حقوق الانسان، حق على الباذل المعطي، وحق للآخذ المتلقي.
وحقيقة: ان قطاعات واسعة من البشرية المعاصرة يغتالها الجوع والبؤس، وان الواجب الانساني يقضي على القادر من الناس ان ينقذ من يستطيع من الناس من مخالب الجوع والبؤس.. والغريب ـ ها هنا ـ ان الجهات نفسها تتهم السعوديين بأنهم يتمتعون بخيراتهم دون سواهم. فاذا سارعوا الى مد يد العون لغيرهم اتهموهم بتمويل الارهاب. وحين تتناقض التهم وتتناطح تسقط التهمة قطعا.
وحقيقة: ان الشعب السعودي يعيش فوق ارض شهدت فيضا غدقا ونادرا ـ في التاريخ الاجتماعي الانساني ـ من السخاء والجود والعطاء، ينبوعه الجبلة والطبع وتقاليد البيئة التي كانت تتواطأ على ذم البخل والبخلاء قبل مجيء الإسلام.
وحقيقة: ان منهج الاسلام جاء فوكد على هذا الطبع النبيل، بعد ان زوده بالباعث الحق، والمقصد الأسمى. فالانفاق أصل خيري وإنساني عظيم من اصول الإسلام. ومن الأدلة الحاسمة على ذلك ان حيثيات المصير التعيس في الدار الآخرة هي: ترك الصلاة، وعدم اطعام المسكين: «ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين». فهذا ربط منهجي ووظيفي وغائي بين مسؤولية العبادة، وواجب تخفيف الآلام عن الانسان.
وحقيقة: (الاحياء الحضاري) الذي يصل حاضرنا بماضينا، ويجعل رصيد الأمس قاعدة لحضارة إنسانية متألقة في الحاضر والمستقبل. فقد كان أسلافنا (ولنا حق استحضار نموذجهم النافع الحافز كما للامريكيين حق الافتخار بآبائهم المؤسسين)، كان أسلافنا يتفننون في صور العمل الانساني تفننا لم يسبقهم اليه أحد. مثلا: قرر فقهاء المسلمين: انه اذا لجأت هرة عمياء الى بيت شخص، وجبت نفقتها عليه، وحرم عليه طردها، ومن يَبَرّ الهرة او القطة، يَبَرّ الإنسان بداهة.. فقد كان هناك وقف خيري إنساني يتمثل في انابيب عامة، ابتكرت في عهد صلاح الدين الأيوبي، يتدفق منها اللبن والسكر لكي تتمكن الأمهات الفقيرات في مصر والشام من تغذية اطفالهن الرضع.. فهل تضيق البشرية وتمرض اليوم، اذا ازدانت الأرض بمثل هذه الأعمال الباهرة؟.. من الغريب: انهم يتهموننا بأننا غير متحضرين، فاذا باشرنا التحضر من خلال عمل انساني خيري صاحوا: وَيْ.. وَيْ: انهم يمولون الارهاب!!
وحقيقة: ان للسعوديين روابط إسلامية بمسلمي العالم، نص عليها القرآن، وسنة النبي، ونص عليها ـ تبعا ـ النظام الأساسي للحكم.. ولهم روابط انسانية مع الناس جميعا، نص عليها القرآن، وسنة النبي، ونص عليها ـ تبعا ـ النظام الأساسي للحكم.. ومن الصدق والوفاء لهذه الروابط: تقديم المساعدات الخيرية للمسلمين وللناس أجمعين، وفق الترتيب المنهجي لدوائر تلقي البذل والعطاء والانفاق: هنا وهناك.
وحقيقة: ان الدفاع عن اصل العمل الخيري، وأحقيته، وأهميته، لا يعني ـ قط ـ انه (معصوم) من الخطأ. فما يقول ذلك امرؤ يحترم دينه وعقله، ويحترم عقول الآخرين، ويحترم الواقع، ويحرص على سلامة مسيرة العمل الخيري واطرادها. وهي حقيقة تمهد للحقيقة التالية:
حقيقة: ان العمل الخيري الانساني ليس (فوضى) عامة، ولا أمرا فرطا. وتقتضي هذه الحقيقة ـ بموجب المنطق العملي ـ : (هندسة) العمل الخيري. فالمطلوب الهندسة، والضبط، والترشيد، لا الالغاء، ولا الكبت. فكبت العمل الخيري يتطلب رسم خطة عشرية او عشرينية تستهدف (وأد دوافع الخير) في نفوس الناس، وما هذا بعمل رشيد، ولا هو بمستطاع.
ومن الهندسة المطلوبة: حماية العمل الخيري من الغفلة والاستغفال والالتواء والاستغلال.. إن الحرص على العمل الخيري من هذه الموبقات: سلوك مبني على صدق التوجه، وصدق البذل، وصدق الغاية، فالله طيب لا يقبل إلا طيبا. ومن الطيب المقبول عند الله ـ جل شأنه ـ : ان ينْقه العمل الخيري من هذه الآفات. نعم. ينبغي ان يكون الساعون بالخير وللخير: أحرص الناس على حمايته من الاستغلال والتشويه، وأحرص الناس على وقايته من الألاعيب السياسية، والكهنوت السري، ذلك ان المغامرة بهذا العمل الجليل القدر والأثر والمثوبة: برهان غفلة، أو عبث، أو سوء قصد وفساد نية، أو نقصان عقل + فرط حماسة. وليس ذلك من خصال اولياء الله، ولا من صفات محبي الخير للأمة.. لا يكفي انفاق المال وتقديمه، بل لا بد من الاستيثاق من المصرف أو الوجه الذي يتوجه اليه المال. فالوعي الدائم بالغاية الصحيحة: أمر ملازم لصحة العبادات والقربات.. ومن صور هندسة العمل الخيري: ان يكون كله (في النور): علنياً كله. فالعمل الخيري ليس (خطة انقلاب) تبرم في السر والظلام. وإنما هو عمل يتوخى إغاثة الملهوف والمحتاج، وتعليم الجاهل، وتفريج الكربة عن ذي كربة، وليس في ذلك ما هو سر: دفين أو غير دفين.
والخلاصة المتعينة المحددة هي: مباشرة مسؤولية الفصل البصير الحازم بين العمل الخيري وبين غيره من التصرفات التي تشينه وتكون ذريعة لوأده أو محاصرته في اضيق نطاق ـ والمتسبب في الشر كفاعله ـ . وهي مسؤولية مقترنة ـ في ذات اللحظة ولنفس السبب ـ بالتحرر من جناية الخلط في هذه القضية.. ومقترنة بهندسة العمل الخيري ـ في الحاضر والمستقبل ـ : هندسة ترتكز على وضوح الهدف، الى درجة التألق، وعلى سلامة الوسيلة والأسلوب وعلى شفافية الادارة في الجمع والتوزيع، أو التحصيل والانفاق.
المصدر(الشرق الأوسط جريدة العرب الدولية)
السبـت 19 شعبـان 1423 هـ 26 اكتوبر 2002 العدد 8733