المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جمال الدين بوزيان


طلحة الدهلوي
03-11-2007, 06:17 PM
السلام عليكم و رحمة الله
في الحقيقة أردت من خلال أحب منتدى إلى قلبي أن أعرض لكم ذكريات شاب عمل في الميدان التطوعي و الخيري, و مازال هدفه الأسمى أن يساعد الناس بكل ما لديه خاصة العجزة و الأطفال الصغار, هذا الشاب أكن له كل معاني الحب و التقدير, فأردت أن أعبر له عن ذلك بعرض هذا الموضوع في الموقع الذي أحترمه كثيرا.
هذا الشاب هو أخي, و سوف أنقل لكم ذكرياته على لسانه:

جمال الدين بوزيان: "عشت أفضل سنوات عمري من خلال العمل التطوعي"


اسمي جمال الدين بوزيان، عمري 29 سنة، من الجزائر، من مدينة قسنطينة، حاصل على شهادة ليسانس في علم اجتماع الاتصال وأعمل حاليا موظفا بمصلحة الشؤون الاجتماعية ببلديتي.
ربما أنا محظوظ لأني كنت منذ الصغر مسكونا بحب مساعدة الناس خاصة المرضى، وللأسف لم أستطع ترجمة هذه الرغبة الإنسانية على أرض الواقع حتى بعد إنهائي لدراستي الجامعية.
في البداية، وخلال فترات دراستي المتوسطة والثانوية، كانت مساعداتي مقتصرة على الأهل والأقارب والأصدقاء. أما بعد تحصلي على شهادتي الجامعية وخلال سنوات البطالة حيث وجدت وقتا كافيا للجلوس مع نفسي أكثر والتعرف على إمكانياتي وميولاتي في العمل والهوايات. خلال هذه الفترة قمت بتربص في الإسعافات الأولية مع الهلال الأحمرالجزائري، وانضممت إلى جمعية "دنيا" المحلية لمساعدة الأطفال المرضى بالمستشفيات، وحاليا أنا مع جمعية "بسمة" المحلية لمساعدة وترقية الطفل المريض.
خلال عملي التطوعي مع الهلال الأحمر الجزائري ومع جمعيات الأطفال المحلية بمدينتي عشت أفضل سنوات عمري، شعرت بالمتعة الحقيقية من خلال مساعدة الفقراء والمرضى.
ربما لدي ميل كبير لمساعدة المرضى، إلا أن العمل التطوعي من خلال إطعام الفقراء أيضا رائع جدا.
العمل الخيري التطوعي جميل جدا رغم أنه متعب ويتضمن مشاكل كثيرة تصل أحيانا إلى حد التهديد بالضرب والقتل.


إحدى الصور التي تركها الطفل المتوفي "عبد المومن" معلقة على جدار الغرفة بالمستشفى.

قصة عبد المؤمن

أحداث كثيرة وأمور عديدة مرت معي وأتذكرها الآن رغم تجربتي البسيطة والمتواضعة في ميدان العمل الخيري التطوعي، إلا أني أبدا لن أنسى ذلك الطفل المريض عبد المؤمن الذي توفي تاركا لي رسوم البوكيمون الملونة التي رسمها معلقة بالمستشفى. فور سماعي لخبر وفاة عبد المؤمن نزعت الرسومات من على الحائط واحتفظت بها لحد الآن. وأنوي مستقبلا إن شاء الله تعليقها على حائط غرفتي بعد أن أشتري لها ما يليق بها عند تعليقها.

كان عبد المؤمن طفلا عاديا قليل الكلام، كنت أنا في ذلك الوقت جديد العهد بالمستشفى ومنخرطا جديدا في جمعية الأطفال المرضى، دخل عبد المؤمن للمستشفى دون اعتناء من طرف أهله وتوفي وهو منسي من طرفهم، لأن والداه كانا منفصلين وكان يعيش مع أمه وزوج أمه، كان واضحا لنا جميعا عدم اهتمام أهله به لأنهم لا يزورونه إلا نادرا، لذلك تكفلت أنا ومن معي بالجمعية بالاهتمام به والتكفل بشراء الدواء واللباس والأكل. لكني كنت أنا الأقرب إليه.
لم تطل مدة بقاء عبد المؤمن بالمستشفى وتوفي بسبب مرضه الذي لا أعلمه لحد الآن. تأثرت كثيرا لوفاته، تغلبت على دموعي ولم أبك ذلك اليوم، لكني كنت أتألم كثيرا.
ما يجعلني أتغلب على ألمي عندما أتذكر عبد المؤمن هو أنني كنت صادقا معه جدا.

قصة الطفلة عديلة
كانت عديلة طفلة هادئة في العاشرة من عمرها، تنتمي لعائلة فقيرة تسكن بمنطقة على أطراف مدينة قسنطينة الجزائرية، كانت منطقتها بعيدة عن مظاهر الحضارة و رفاهية العيش رغم قربها من المدينة. منزل عديلة كان منزلا تقليديا غير مجهز، ولا يحتوي على الغاز الطبيعي أو مياه الحنفية، الطريق غير معبدة، المنزل يقع في منطقة مرتفعة قليلة السكان، منطقة فقيرة ومنسية.

تعرفت على الطفلة عديلة من خلال عملي التطوعي مع جمعية الأطفال المرضى بالمستشفى، ومن أول يوم رأيتها وتعرفت على وضعيتها الصحية والمادية ساعدتها عن طريق الجمعية على إجراء أول أشعة "سكانير" للتعرف على مرض السرطان الذي أصاب عينها. في الأول كان المرض غير واضح لنا بالعين المجردة، ولكن فيما بعد تدهورت كثيرا حالة عديلة الصحية رغم قيامها بجلسات العلاج الكيمائي والإشعاعي.

ازدادت شدة المرض على عديلة وأصبح من الصعب النظر إليها طويلا لأنها فقدت عينها المريضة و أصبحت عبارة عن تجويف كبير، وكأن عينها انفجرت. ومع ذلك كنتقريبا من عديلة وكانت هي قريبة مني.

خلال أيامها الأخيرة، خرجت عديلة من المستشفى لتنتظر قدرها مع الموت في المنزل، ذهبت لزيارتها بمنزلها، رأيتها للأسف فيأسوأ حالاتها، كان ذلك قبل موتها بيومين.

حضرت في الصباح الباكر لجنازةعديلة، لم أتمالك نفسي هذه المرة وغلبتني دموعي، بكيت على عديلة خلال جنازتها، حملت نعشها على كتفي، كانت المقبرة بعيدة جدا، تقريبا في قمة جبل صغير بالمنطقة. توفيت عديلة في الشتاء، وكان الثلج أثناءها لا يزال على قمم الجبال و حتى بمنطقة مرتفعة أين تسكن عديلة.

كان يوما صعبا يوم جنازة عديلة، بصعوبة وصلنا إلى المقبرة، وتم دفنها.

عدت إلى منزلي أحمل معي حزني على عديلة وذكرى طفلة صغيرة لم يرحمها المرض رغم براءتها.

أطفال البدو الرحل بالمستشفيات

أود هنا فقط أن ألفت الانتباه إلى أطفال البدو الرحل في الجزائر عندما يتوفون بالمستشفيات، نجد صعوبة كبيرة في إخراجهم من المستشفى ونقلهم إلى مناطقهم البعيدة حيث يسكنون ليتم دفنهم، لأنهم وبكل بساطة لا يملكون وثائق، مثل شهادات الميلاد وبطاقات التعريف والهوية والدفاتر العائلية الصحية، لا شيء من هذا القبيل لديهم.

وعملية إخراج الطفل المتوفي من المستشفى تتطلب المرور على مصالح إدارة البلدية ومكاتب الأمن، فعلا أطفال البدو الرحل ليسوا مثل باقي الأطفال، لحدالآن مازال بعضهم لا يملك حق امتلاك وثيقة هوية أو شهادة ميلاد. أظن بأنه أبسط حق يمكن أن يتوفر للطفل، هذا ويعاني أطفال البدو الرحل أيضا من الحرمان من الحق في التعليم، وبصفة عامة هم محرومون من كل شيء، من حياة عادية مثل باقي الأطفال.

خلال عملي التطوعي مع جمعية الأطفال المرضى بالمستشفى واجهت يوما مشكلة خلال موت طفل مريض بالسرطان ينتمي للبدو الرحل، حضر عم الطفل عند السماع بوفاته، لكنه لم يستطع عمل شيء لأنه لا يعرف ولأنه لا يملك هو الآخر أي وثائق، تماما مثل الطفل المتوفي.

وبصعوبة استطعنا استخراج الوثائق وتمكنا من إخراج الطفل المتوفي لنقله إلى منطقته للدفن.

أظن مشكلة أطفال البدو الرحل مشكلة كبيرة جدا، وحلها كبير أيضا.