طلحة الدهلوي
03-11-2007, 05:57 PM
كتاب <<الفقر و العمل الخيري Charity>>
في التاريخ الإسلامي الوسيط :
مصر المملوكية 1250 م - 1517م
لآدم صبره ADAM SABRA
خالد بن خلفان الوهيبي
المقدمة
على الرغم من التقدم الذي أحرزته بعض الدراسات حول التاريخ الاقتصادي للمشرق العربي الوسيط, إلا أن الدراسات التي ألفت في مجال التاريخ الاجتماعي الوسيط ما تزال قليلة بل نادرة, ربما لصعوبة معالجة موضوعاتها عن غيرها لقلة المعلومات حول المجتمعات المشرقية العربية الوسيطة في المصادر المكتوبة وغياب الوثائق الأرشيفية من جهة, وسهولة تناول مجريات التاريخ السياسي وتوفر مادته من جهة أخرى أغرى الكثير من المؤرخين على التركيز عليه, وكذلك حساسية تناول ألأوجه ألاجتماعية ألأقل إشراقا في تاريخنا الوسيط المليء بالانتصارات والإنجازات, ربما لم يحفز بعض هؤلاء المؤرخين على سبر أغواره.
هذه الدراسة عن الفقر والعمل الخيري, تقع ضمن ذلك النوع من الدراسات التاريخية غير المفضلة من قبل المؤرخين. وهي دراسة نادرة في مجالها, على الرغم من وجود دراسات سابقة حول المجتمعات العربية المشرقية الوسيطة في العراق والشام ومصر قام بها مؤرخون عرب ومستعربون, ودراسات متفرقة حول الفئات الفقيرة أو المهمشة مثل بني ساسان, والعيارين والشطار, الفتوة, الأحداث, والحرافيش, إلا أن دراسة الفقر والعمل الخيري كظاهرة إجتماعية وفكرية واقتصادية وسياسية ضمن دراسة أكاديمية ممنهجة بقيت ناقصة, إلى أن جاءت هذه الدراسة لتسد ذلك النقص, وتشجع على المزيد من البحوث في هذا المجال في بيئات أخرى سواء في المشرق أو المغرب العربي الوسيط.
محتويات الكتاب:
يحتوي هذا الكتاب على ستة فصول وخاتمة, بالإضافة إلى اعترافات بالجميل والمساعدة (Acknowledgments), قائمة بالمختصرات, فهرس المصادر والدراسات الحديثة, وفهرس عام بالكلمات المهمة الواردة في النص .Index
1 - الفصل الأول: المقدمة (Introduction)
تحدث المؤلف في البداية; عن وضع الدراسات التاريخية الحديثة المختصة بالنواحي الاجتماعية في التاريخ الإسلامي الوسيط بشكل عام, وقضية الفقر بشكل خاص. حيث أشار إلى قلة الدراسات المتعلقة بالمجتمعات المسلمة في العصر الوسيط, وندرتها بالنسبة لدراسة قضية الفقر ما عدا بعض المقالات التي بحثت بعض جوانب الظاهرة, مما دعا المؤلف وشجعه للقيام بهذه الدراسة المعمقة والمتكاملة حول موضوع الفقر والعمل الخيري في مصر المملوكية. استعرض المؤلف كذلك الأفكار المركزية في الفصول الخمسة الباقية, والنتائج التي خرج بها من النقاش في كل فصل, كما وضع حدود مجال دراسته جغرافيا (مصر <<القاهرة>>), بشريا (المجتمع المسلم). وأخيرا أن هذه الدراسة حسب رأي المؤلف; لا تعني أن المصادر المتاحة قد استنزفت معلوماتها, وأن المجال ما زال مفتوحا لمزيد من الدراسات حول موضوع الفقر والعمل الخيري عند المجتمعات المسلمة في العصر الوسيط.
2 - الفقر: الأفكار وحقائق الواقع
(Poverty: Ideas and realities )
ركز المؤلف نقاشه; على تحديد معنى الفقر من ثلاثة نواح رئيسة هي: المعنى اللغوي في التراث المعجمي العربي, والمعنى الاصطلاحي عند الفقهاء المسلمين, وكذلك المعنى المتعارف عليه والمستعمل في العصر المملوكي, والمفهوم الاجتماعي للفقر, مع تحديد الفئات الاجتماعية في القاهرة في العصر المملوكي التي دخلت تحت مظلته, والفقر كمبدأ ديني.
تراوحت آراء اللغويين والفقهاء للفقر- الفقير; بين غياب الضرورات المادية للعيش (الحاجة), وبين درجة الحاجة نفسها, حيث فرق البعض بين الفقير والمسكين, إذ أشاروا إلى أن المسكين يمتلك قدرا أكبر من الضرورات المادية عن الفقير إلا أنه ما زال بحاجة إلى الصدقة, بينما استعملت كلمتا الفقير والمسكين في هذا العصر بنفس المعنى للدلالة على الشخص المستحق للصدقة.
أما بالنسبة للفئات الاجتماعية التي شملها هذا المفهوم في قاهرة العصر المملوكي; فإن المؤلف اعتمد بصورة أساسية على مؤرخي العصر, وعلى رأسهم المقريزي الذي أعطى تصورا واضحا للفئات الاجتماعية للمجتمع القاهري في عصره, حيث قسم المجتمع المصري إلى سبع فئات اجتماعية. إلا أن المؤلف استثنى الفئات الست الأولى من السلم الاجتماعي للمقريزي واعتبر فئة المحتاجين والشحاذين الذين يعتمدون على صدقات الناس, هي المشمولة حسب رأيه ضمن مفهموم الفقر. ولقد تعددت المصطلحات المستخدمة لدى كتاب العصر للإشارة إلى هذه الفئة (الغوغاء , أوباش العامة , الزعر , والحرافيش), إلا أنهم كانوا أكثر وضوحا عند إشارتهم للز عر والحرافيش بحيث يمكن تبين وجود هاتين الفئتين المستقلتين ضمن السلم الاجتماعي للعامة (في أسفل السلم الا جتماعي للعامة). الزعر - جمع أزعر, وهي أحد فئات العامة, وكانت عبارة عن أفراد من العامة مهلهلي التنظيم الا جتماعي, لا تعرف لهم أيدولوجية معينة, يتمركزون في المدينة في منطقتي الحسينية والصليبة, واشتهروا بممارسة رياضات المصارعة ولعبة تعرف بالشلق, واشتراكهم في الصراعات السياسية إلى جانب أحد الفرقاء من أمراء المماليك أو السلاطين, وقيامهم بأعمال السلب والنهب التي تصاحب مثل هذه الأحداث, كما استخدموا كجنود مشاة في الجيش المملوكي(الجيش المملوكي كان يتكون من فرق من الفرسان), إلى جانب ارتباطهم بمبادئ الفتوة وممارساتها. الحرافيش - حرفوش; هي فئة اجتماعية من أفراد قادرين على العمل كانت تعيش على الشحاذة والصدقات, أو من الصوفية الشحاذين كالقلندارية والحيدرية, واستخدموا في الأعمال الشاقة كعمال غير مهرة لنقل الأتربة, كما استخدموا كجنود مشاة, واشتركوا في الصراعات السياسية الداخلية التي كانت تحدث بين أمراء المماليك. ومع نهاية القرن 8 هـ/ 14م, أصبحت هذه الفئة أكثر تنظيما , حيث أشارت المصادر إلى وجود رئيس عرف بشيخ المشايخ أو رئيس الحرافيش, وكان مسؤولا أمام السلطان المملوكي عن تصرفات طائفته. كما عرفوا أيضا بتعاطي الحشيش.
أما الناحية الثالثة التي تطرق إليها المؤلف; هي ذلك النقاش الذي دار بين كبار المتصوفة حول الفقر (التخلي عن الممتلكات المادية) كمبدأ أساسي للوصول إلى منتهى الزهد والصلاح, حيث تناول المؤلف بالدراسة أفكار كبار المتصوفة مثل أبو ناصر السراج, الكلباذي, أبو طالب المكي, القشيري, الحجفري, وحجة الإسلام الغزالي من كبار العلماء (فيلسوف, فقيه, صوفي), أبو نجيب السهروردي, وأبو حفص السهروردي, وردود معارضيهم من الفقهاء أمثال أبن الجوزي, أبن تيمية, أبن قيم الجوزية. وقد ركز كبار المتصوفة على أهمية تخلي الصوفي أو الزاهد عن التعلق بالممتلكات المادية (التعلق بالدنيا) كشرط أساسي لنيله درجة الصلاح المطلوبة, وإن اختلفوا حول امتلاكه ضرورات الحياة من عدمها, بينما كانت حجة مناوئيهم من الفقهاء, أن الفاقة الشديدة قد تقود إلى أعمال غير صالحة, وأن الحكم على الفقير والغني لا يتأتى إلا من خلال عملهم الصالح, وليس من خلال التخلي عن ضرورات الحياة. ولقدت أفرزت الأفكار المتطرفة عن الفقر لدى بعض علماء التصوف فرق صوفية كالقلندارية (المؤسس جمال الدين السافي), والحيدرية (المؤسس قطب الدين حيدر), ذوات الأصول الفارسية, والتي ارتبطت بالفئات الدنيا لطبقة العامة والمهمشين (الحرافيش).
حيث اختار أفراد هذه الفرق الصوفية الفقر والعزوبة كمنهج حياة, واحترفوا الشحاذة كمهنة, وعاشت كذلك على إعانات المحسنين من كبار الأمراء, بالإضافة إلى تعاطيهم لمخدر الحشيش, واتهامهم من قبل معاصريهم بالتقصير في أداء الفرائض الدينية.
في خاتمة الفصل; يؤكد المؤلف على أنه من الصعب إيجاد فاصل حقيقي بين الفقر الحقيقي الناتج عن ظروف الحياة الاقتصادية للأفراد, وبين الفقر التطوعي المتأتي من الزهد لعدم وضوح ذلك الفاصل عند المؤرخين المعاصرين.
3 - الفصل الثالث: الشحاذة وتقديم الإحسان
(Begging and almsgiving)
تحدث المؤلف في هذا الفصل عن قضيتين أساسيتين; هما تقديم الإحسان من قبل الأفراد والدولة من جهة, وموقف المفكرين الصوفيين من الإحسان والشحاذة من جهة ثانية, وموقف الدولة المملوكية من الشحاذة من جهة ثالثة.
ثم ختم كلامه; بدراسة حول الزكاة, مستهلا بالتحدث عن ماهية الزكاة من الناحية الفقهية (كيفية حساب الزكاة - الأفراد المستحقين لها - أصناف المال الذي تجب فيه الزكاة), وزكاة الفطر, ثم استطرد بعد ذلك في النقاش بإيراد رأي علماء التصوف (أبو نصر السراج, أبو طالب المكي, الحجفري, أبو حامد الغزالي) في الزكاة, من ناحية ماهية الزكاة وكيفية إخراجها, ومستحقيها. ثم ختم الحديث في هذه الجزئية بالتركيز على الواقع التاريخي, من خلال تقديم أمثلة عن جمع الزكاة, وصرفها من قبل الدولتين الأيوبية والمملوكية.
أما الجزئية الثانية التي تطرق إليها المؤلف; فهي قضية الشحاذة وتقديم الإحسان في الأدب العربي, حيث تم الحديث عن آراء كبار علماء التصوف; أمثال أبو نصر السراج, أبو طالب المكي, الحجفري, أبو حامد الغزالي, أبو نجيب السهروردي, وأبو حفص السهروردي. وكذلك آراء أحد مؤلفي العصر المملوكي كتاج الدين السبكي الفقيه الشافعي في الشحاذة والشحاذين. ثم تناول المؤلف بالدراسة; ذلك الأدب العربي المتعلق بالشحاذين المحترفين المعروفين ببني ساسان في كتابات; بديع الزمان الهمذاني (المقامات), الجوبري (المختار في كشف الأسرار), ابن دانيال (مسرحيات خيال الظل), وسيف الدين الحلي.
في الجزئية الثالثة; تحدث المؤلف عن الواقع التاريخي لتقديم الإحسان, حيث أورد أمثلة; حول قيام أفراد نخبة المجتمع القاهري المملوكي, والسلاطين المماليك الذين اشتهروا بمنح صدقاتهم سواء (عملات نقدية , غذاء , غسل وتكفين الموتى); لرجال الدين وطلاب العلوم الشرعية , والصوفية , والفقراء , والمساجين , و كذلك للمجاذيب (جمع مجذوب وهو الشخص المعتوه المعتقد بركته). وذلك في عدة مناسبات وأوقات; كعاشوراء, المولد النبوي, شهر رمضان, عيد الفطر, عيد الأضحى, عيد النوروز, احتفالات الختان, والا حتفالات بفتح مؤسسات الوقف (المدارس, الخوانق, الجوامع), أوقات الأوبئة (الطواعين), عند القيام بالحملات الحربية, وعند الإصابة بالأمراض أو عند الشفاء منها.
أما الجزئية الرابعة; فركزت على الواقع التاريخي لموقف الدولة من الشحاذة, ودورها في تقديم الإحسان ومعالجة الفقر. فقد قامت الدولة المملوكية بجهود تنظيم الشحاذة; من خلال القبول بوجود رئيس للحرافيش مسؤول أمام السلطان المملوكي عن تصرفات أفراد مجموعته, أو من خلال بعض الإجراءات مثل ترحيل المرضى المزمنين وأصحاب العاهات من الشحاذين من القاهرة, أو منع المحتسب الشحاذين من الشحاذة في الأماكن العامة خاصة في المساجد أو بالقرب منها, أو إصدار أوامر مشددة تمنع الأصحاء الأقوياء من الشحاذة. إلا أن هذه التدابير لم تفلح في منع استمرار وجود الشحاذة أو انتشارها.
أما الكيفية الثانية لتدخل الدولة; فكان عن طريق رعاية أموال الأيتام من الفقراء والأغنياء حتى وصولهم إلى سن الرشد من خلال مؤسسة (مودع الحكم) التي يديرها قاضي القضاة الشافعي. وقد ظلت هذه المؤسسة فاعلة إلى نهاية القرن 8 هـ / 14م حيث تدهورت فعاليتها; لسوء أمانة القضاة من جهة, والتعدي على أموالها من قبل أمراء المماليك من جهة أخرى.
أما الكيفية الثالثة لتدخل الدولة; فتتمثل في اطلاق سراح المسجونين خاصة المدينين وتسوية ديونهم, وقد أورد المؤلف أمثلة كثيرة بهذا الخصوص.
يخلص المؤلف في نهاية نقاشه; إلى أن الصورة العامة للإحسان في القاهرة المملوكية كان في الغالب عمل فردي, وأن الدولة لم تستطع التحكم في ظاهرة الشحاذة, ولم تكن لديها سياسة اجتماعية محددة للإحسان.
4 - الفصل الرابع: الوقف waqf
ركز المؤلف نقاشه في هذا الفصل حول عدد من القضايا; حول ماهية الوقف, وتطور مؤسسة الوقف في مصر خلال العهدين الأيوبي والمملوكي, والخدمات الاجتماعية التي قدمتها مؤسسات الأوقاف في مدينة القاهرة خلال العهدين الأيوبي والمملوكي, والخصائص العامة للخدمات الاجتماعية المقدمة في العصر المملوكي.
الجزئية الأولى; تحدثت عن ماهية الوقف بشكل عام حسب الفقه الإسلامي, وتطور مؤسسة الوقف وإدارته في العصر المملوكي بشكل عام وموجز.
أما الجزئية الثانية فتناولت على نطاق واسع الخدمات الاجتماعية التي تقدمها مؤسسات الوقف; كالرعاية الصحية, التعليم, الإسكان, تقديم الغذاء والماء, تكفين الموتى ودفنهم.بالنسبة للرعاية الصحية; فقد بدأ المؤلف كلامه بإعطاء نبذة عن التطور التاريخي لنشأة المستشفيات في مصر منذ بداية العهد الأموي وحتى العهد الأيوبي (الأموي, العباسي, الطولوني, الإخشيدي, الفاطمي, الأيوبي), ثم ركز بشكل واسع وعميق نقاشه حول الرعاية الصحية في العهد المملوكي وبالتحديد حول الخدمات الصحية التي يقدمها البيمارستان المنصوري
(المعروف في العصور الحديثة بالقصر العيني); حيث فصل الحديث عنه: أسباب إنشائه, موارده المالية, إدارته, أطباءه وموظفيه, وطبيعة العمل داخل هذا المستشفى.
أما الخدمة الثانية التي وفرتها مؤسسات الوقف في القاهرة; فهي التعليم الابتدائي حيث تركز حديث المؤلف حول التعليم الابتدائي المتمثل في المكتب- جمع مكاتب; نوعية تلاميذه, طبيعة عملية التعلم فيه, الخدمات الأخرى التي تقدم لتلاميذه من طعام وكسوة.
أما الخدمة الثالثة التي اعتنت بها مؤسسات الوقف فهي الإسكان; حيث تناول المؤلف قضية الإسكان داخل مؤسسة الرباط التي وفرت المأوى للنساء المطلقات والأرامل.
بالنسبة للخدمة الرابعة التي قدمتها مؤسسات الوقف; فهي توفير الغذاء لسكان الخوانق والرباطات وطلاب المدارس بشكل شبه منتظم, بالإضافة إلى توفير بعض أنواع الطعام; مثل الخبز واللحم أو وجبة كاملة في أيام معينة من الأسبوع (الجمعة), وفي المناسبات الدينية (رمضان, عيد الفطر, عيد الأضحى), للفقراء ونزلاء السجون من الأحرار, وأحيانا من العبيد المعتقين من غير المسجونين, كما تكفلت الأسبلة - جمع سبيل, بتوفير خدمة شرب الماء المجانية في أنحاء المدينة.
أما الخدمة الاجتماعية الخامسة التي تكفلت بها مؤسسات الوقف; فهي تكفين ودفن الغرباء من المسلمين من سكان المدينة, حيث وفرت موارد الأوقاف مغاسل وموظفين للقيام بعملية التكفين والدفن.
أما الجزئية الثالثة التي تطرق إليها المؤلف هي العلاقة بين الإحسان والموت; حيث أشار إلى وجود وانتشار ظاهرة بناء الأضرحة داخل أو بالقرب من مؤسسات الوقف, وتقديم الإحسان في الأضرحة (ضريح الإمام الشافعي والإمام الليث بن سعد والسيدة نفيسة, وأضرحة السلاطين المماليك وأمرائهم), وأن القصد من ذلك طلب الترحم والغفران للميت من قبل متلقي الإحسان, وارتباط ذلك كله بمفهوم الصدقة الجارية.
5 - مستويات المعيشة Standards of living
ركز المؤلف في نقاشه حول مستوى معيشة الطبقات الفقيرة في المجتمع القاهري من خلال; دراسة السكن, الملابس, الطعام, الأجور والإنفاق على المعيشة.
تحدث المؤلف في الجزئية الأولى حول طبيعة سكن الفقراء في المدينة; من خلال تناول نوعين من أنواع المساكن هما الربع والحوش, معتمدا بصورة أساسية على الدراسات الأثرية, كما أشار إلى أن أعدادا كبيرة من الفقراء كانت بدون مأوى حقيقي داخل أسوار المدينة أو خارجها.
أما الجزئية الثانية فقد ركزت على إعطاء أمثلة عن ملابس الفقراء ذكورا وإناثا ; من خلال الا عتماد بصورة أساسية على المعلومات الموجودة عن الملابس المقدمة من مؤسسات الوقف للأطفال الذكور الأيتام والفقراء الدارسين في المكاتب, والمستخرجة من وثائق الأوقاف كنموذج لملابس الفقراء الذكور في مدينة القاهرة. بينما اعتمد على وثائق الحرم القدسي; لإعطاء فكرة تقريبية عن ملابس نساء الفقراء, نظرا لغياب مثل هذه البيانات في الوثائق المكتشفة والخاصة بالمجتمع القاهري.
أما الجزئية الثالثة فقد اهتمت بتناول مسألة الغذاء عند الطبقات الفقيرة; حيث أشار المؤلف إلى أن طعام الفقراء القاهريين كان يتكون بصورة أساسية من الخبز المنتج من القمح (في فترة الرخاء), أو القمح المخلوط بالشعير أو غيره من الحبوب الأقل قيمة (في فترة الغلاء أو عند النقص في المعروض من القمح), بالإضافة إلى الخضروات والسردين, بينما اقتصر تناولهم للحوم في مناسبات الأعياد, إلا أنهم كانوا يتعرضون للمجاعات في أوقات الغلاء, كما أنهم كانوا أكثر عرضة من غيرهم لأخطار الأوبئة; نظرا لعدم توفر العناصر الكاملة المكونة للغذاء في طعامهم من جهة, وسوء حالة المسكن من جهة ثانية, ولعدم توفر النظافة والصرف الصحي المناسب من جهة ثالثة.
أما الجزئية الأخيرة; فعالجت قضية أجور ونفقات المعيشة للفئة الدنيا من المستخدمين في مؤسسات الأوقاف; كالفراشين, البوابين, القيمين, والخدام, من خلال مقارنة بيانات أجورهم الشهرية المبينة في وثائق الوقف مع المعلومات المتوافرة عن أسعار بعض السلع الغذائية خاصة القمح في المصادر التاريخية, ومدى القدرة الشرائية لنقود هؤلاء المستخدمين لتلك السلع في أوقات مختلفة من العصر المملوكي, مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير الأوبئة وتذبذب أسعار العملات المستخدمة.
6 - نقص المعروض من الطعام والمجاعات
(Food shortages and famines)
تناول المؤلف في هذا الفصل; عدة قضايا تتعلق بنقص المعروض من الغذاء في أسواق القاهرة, والمجاعات التي اجتاحت المدينة خلال العصر المملوكي, من خلال دراسة العلاقة بين الدولة المملوكية (السلطان, الأمراء) المتحكمة في نصيب الأسد من الحصة الإنتاجية للغذاء في مصر والسوق من ناحية, ومن خلال البحث في ظاهرة المجاعات عن طريق دراسة كل مجاعة على حدة من جهة أخرى. كذلك قام المؤلف بتقييم عام للوسائل التي اتخذتها الدولة المملوكية لحل أزمات المجاعات, والوسائل التي اتبعها الفقراء للخروج من هذه الأزمات.
في الجزئية الأولى تم التركيز على أن نظام الإقطاع سمح بتركز كميات هائلة من المواد الغذائية الأساسية (القمح) في يد السلطان المملوكي وكبار الأمراء, حيث يحصلون عليها نتيجة ضرائب عينية (الخراج) تفرض على الأراضي الزراعية المنتجة لمحصول القمح. والنقطة المركزية هنا حسب رأي المؤلف; أن جزءا لا بأس به من هذه الحصة الكبيرة من القمح لا تطرح في السوق, لأسباب منها أن جزءا كبيرا منها يستهلك من قبل السلطان المملوكي وحاشيته ومماليكه وموظفي الأجهزة المالية والإدارية والقضائية التابعة للدولة والأمراء ومماليكهم وحواشيهم وغيرهم من الفرسان المقطعين, بالإضافة إلى تخزينه لأوقات الأزمات, أو من خلال تحويله إلى نقد من خلال بيعه في السوق بسعر مربح. كل ذلك عطل سهولة انسياب عرض هذه السلعة في السوق, وجعل إمكانية نقصها أو غلاء أسعارها أمرا قريب التحقق في أسواق المواد الغذائية في مدينة القاهرة.
أما الجزئية الثانية; فهي دراسة مفصلة عن كل أزمة من أزمات المجاعة على حدة منذ عهد السلطان بيبرس البندقداري وحتى عهد السلطان قايتباي, بين فيها المؤلف تفاصيل أحداث المجاعة منذ بدايتها وحتى نهايتها مستعرضا أسبابها; التي تفاوتت بين انخفاض مستوى فيضان النيل, التضخم النقدي, الطواعين وعدم الاستقرار السياسي, والإجراءات التي اتخذتها الدولة المملوكية لحلها والتخفيف من معانة الفقراء, وكذلك النتائج التي ترتبت عليها كل مجاعة في أوساط الفقراء.
في الجزئية الثالثة; ركز المؤلف حديثه عن الوسائل التي اتخذتها الدولة المملوكية لحل أزمات المجاعات, من خلال قيام سلاطين المماليك ببيع جزء من مخزونهم بأسعار أقل من مستوى السوق لخفض سعر السلعة, أو إطعام الفقراء خبز القمح بصورة مباشرة, أو من خلال فرض سعر موحد للقمح في السوق أو إجبار الأمراء على فتح مخازن غلالهم للبيع بالسعر المحدد, أو إجبار الأمراء على المساهمة في إطعام الفقراء, أو من خلال ا ستيراد كميات كبيرة من القمح لزيادة حجم المعروض في السوق وبالتالي خفض السعلة.
أما الجزئية الأخيرة; فتناولت الوسائل التي اتخذها الفقراء لحل أزمة المجاعات والتخفيف عن معاناتهم من أثارها, من خلال استخدام المطاحن اليدوية لطحن ما لديهم من القمح لتخفيف التكلفة, أو استعمال الشعير والدخن والفول وخلطها مع القمح لصنع الخبز, أو الاعتماد على الخضروات كالقلقاس, أو أكل جثث الحيوانات كالكلاب والقطط, أو البحث في القمامة, أو الهجرة من المدينة إلى الريف أو الهجرة إلى خارج مصر. كذلك قيامهم بالتوسل طلبا للإحسان من الدولة, أو قيامهم بتصرفات عنيفة عن طريق نهب المخابز أو صوامع الغلال.
نقد الكتاب:
تنبع أهمية هذه الدراسة; من وجوه عديدة; فهي في الأصل دراسة أكاديمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه, كما أنها أول دراسة أكاديمية عميقة في هذا المجال مما أعطاها خاصية الحداثة, ثم شموليتها في معالجة ظاهرة الفقر والعمل الخيري من الناحيتين الفكرية (الفقه والتصوف) والواقع التاريخي, كذلك الاستخدام المكثف لوثائق الأوقاف في الدراسة, بحيث أعطت نتائج عالية المصداقية. هذا بالإضافة إلى المقارنة الرصينة التي قام بها المؤلف بين ظاهرة الفقر والعمل الخيري في القاهرة المملوكية ومثيلاتها في غرب أوروبا والصين.
إلا أن هناك بعض الملاحظات البسيطة والتساؤلات; حول مطابقة طروحات الفكر الصوفي مع الواقع التاريخي, وحول ممارسات جماعات التصوف ووضع مؤسسات التصوف في مصر المملوكية. على أنه مما لا شك فيه أن دراسة الفكر الصوفي والفقهي الخاص بالفقر والعمل الخيري مهم لوحده من الناحية العلمية الأكاديمية البحتة, إلا أن إقحامه لدراسة الواقع التاريخي هي في أقرب التصورات الممكنة من قبيل التعميم وليس ماسة بصورة مباشرة بالظاهرة المدروسة. كذلك يجب التذكير بوجود كتاب معاصر أغفله المؤلف تطرق إلى مسألة الفقر, هو كتاب (الدلجي, أحمد بن علي (ت.838 هـ / 1435 م), الفلاكة والمفلوكون, القاهرة, 1322 هـ/). كما أني أستميح العذر من المؤلف; إذ أني لم أتبين سبب ترتيبه لتسلسل فصول الكتاب بهذه الطريقة التي قد تربك تفكير بعض القراء, حيث تمت مناقشة نظرة العلماء المسلمين لمسألة الفقر والفئات الاجتماعية الفقيرة في الفصل الأول, بينما خصص المؤلف الفصل الثاني لمعالجة قضيتي الشحاذة والإحسان تاركا مناقشة مستويات المعيشة للفصل الخامس, ونقص المعروض من الطعام والمجاعات للفصل السادس بينما احتل الوقف الفصل الرابع. وأستميحه عذرا مرة أخرى فقد أكون مخطئا في تصوري; لكن أليس من المنطقي أن يناقش الإطار الفكري للفقر والشحاذة والإحسان في فصل أو فصلين مستقلين, وأن تخصص فصول مستقلة لمناقشة الواقع التاريخي, لما بين الفكر المجرد والواقع من تباين في أغلب الأحيان خاصة في العصور الوسطى التي غلبت على الناس فيها الأمية. أو ليس أجدى من الناحية المنطقية; التدرج في الطرح من الفكرة إلى الواقع, من مستويات المعيشة إلى نقص الطعام إلى المجاعات, ثم تجاوب المجتمع كدولة وأفراد لمواجهة تلك المشاكل عن طريق الإحسان أو الوقف أو الحلول الطارئة, ووسائل الفقراء لمواجهة الفقر والمجاعات عن طريق الشحاذة أو التماس الإحسان أو غيرها من الطرق.
في الختام أود التنويه بهذه الدراسة; فهي أفضل دراسة أكاديمية كتبت عن الفقر والعمل الخيري في الدولة المملوكية, بل في التاريخ الإسلامي الوسيط حتى الآن. وهذا الكتاب جدير بأن ينسج على منواله دراسات أكاديمية أخرى تعالج مسألة الفقر في العصور الإسلامية الوسيطة في بيئات جغرافية أخرى, وأن تستكمل الجوانب الهامشية التي لم يرغب المؤلف التركيز عليها في هذه الدراسة ببحوث جديدة.
----------------------
* كتاب <<الفقر والعمل الخيري Charity>> في التاريخ الإسلامي الوسيط : مصر المملوكية 1250 م - 1517م
POVERTY AND CHARITY IN MEDIEVAL ISLAM: MAMLUK EGYPT, 1250-1517
لآدم صبره ADAM SABRA
دار النشر: جامعة كمبردج CAMBRIDGE UNIVERSITY PRESS
تاريخ النشر: 2000 م
في التاريخ الإسلامي الوسيط :
مصر المملوكية 1250 م - 1517م
لآدم صبره ADAM SABRA
خالد بن خلفان الوهيبي
المقدمة
على الرغم من التقدم الذي أحرزته بعض الدراسات حول التاريخ الاقتصادي للمشرق العربي الوسيط, إلا أن الدراسات التي ألفت في مجال التاريخ الاجتماعي الوسيط ما تزال قليلة بل نادرة, ربما لصعوبة معالجة موضوعاتها عن غيرها لقلة المعلومات حول المجتمعات المشرقية العربية الوسيطة في المصادر المكتوبة وغياب الوثائق الأرشيفية من جهة, وسهولة تناول مجريات التاريخ السياسي وتوفر مادته من جهة أخرى أغرى الكثير من المؤرخين على التركيز عليه, وكذلك حساسية تناول ألأوجه ألاجتماعية ألأقل إشراقا في تاريخنا الوسيط المليء بالانتصارات والإنجازات, ربما لم يحفز بعض هؤلاء المؤرخين على سبر أغواره.
هذه الدراسة عن الفقر والعمل الخيري, تقع ضمن ذلك النوع من الدراسات التاريخية غير المفضلة من قبل المؤرخين. وهي دراسة نادرة في مجالها, على الرغم من وجود دراسات سابقة حول المجتمعات العربية المشرقية الوسيطة في العراق والشام ومصر قام بها مؤرخون عرب ومستعربون, ودراسات متفرقة حول الفئات الفقيرة أو المهمشة مثل بني ساسان, والعيارين والشطار, الفتوة, الأحداث, والحرافيش, إلا أن دراسة الفقر والعمل الخيري كظاهرة إجتماعية وفكرية واقتصادية وسياسية ضمن دراسة أكاديمية ممنهجة بقيت ناقصة, إلى أن جاءت هذه الدراسة لتسد ذلك النقص, وتشجع على المزيد من البحوث في هذا المجال في بيئات أخرى سواء في المشرق أو المغرب العربي الوسيط.
محتويات الكتاب:
يحتوي هذا الكتاب على ستة فصول وخاتمة, بالإضافة إلى اعترافات بالجميل والمساعدة (Acknowledgments), قائمة بالمختصرات, فهرس المصادر والدراسات الحديثة, وفهرس عام بالكلمات المهمة الواردة في النص .Index
1 - الفصل الأول: المقدمة (Introduction)
تحدث المؤلف في البداية; عن وضع الدراسات التاريخية الحديثة المختصة بالنواحي الاجتماعية في التاريخ الإسلامي الوسيط بشكل عام, وقضية الفقر بشكل خاص. حيث أشار إلى قلة الدراسات المتعلقة بالمجتمعات المسلمة في العصر الوسيط, وندرتها بالنسبة لدراسة قضية الفقر ما عدا بعض المقالات التي بحثت بعض جوانب الظاهرة, مما دعا المؤلف وشجعه للقيام بهذه الدراسة المعمقة والمتكاملة حول موضوع الفقر والعمل الخيري في مصر المملوكية. استعرض المؤلف كذلك الأفكار المركزية في الفصول الخمسة الباقية, والنتائج التي خرج بها من النقاش في كل فصل, كما وضع حدود مجال دراسته جغرافيا (مصر <<القاهرة>>), بشريا (المجتمع المسلم). وأخيرا أن هذه الدراسة حسب رأي المؤلف; لا تعني أن المصادر المتاحة قد استنزفت معلوماتها, وأن المجال ما زال مفتوحا لمزيد من الدراسات حول موضوع الفقر والعمل الخيري عند المجتمعات المسلمة في العصر الوسيط.
2 - الفقر: الأفكار وحقائق الواقع
(Poverty: Ideas and realities )
ركز المؤلف نقاشه; على تحديد معنى الفقر من ثلاثة نواح رئيسة هي: المعنى اللغوي في التراث المعجمي العربي, والمعنى الاصطلاحي عند الفقهاء المسلمين, وكذلك المعنى المتعارف عليه والمستعمل في العصر المملوكي, والمفهوم الاجتماعي للفقر, مع تحديد الفئات الاجتماعية في القاهرة في العصر المملوكي التي دخلت تحت مظلته, والفقر كمبدأ ديني.
تراوحت آراء اللغويين والفقهاء للفقر- الفقير; بين غياب الضرورات المادية للعيش (الحاجة), وبين درجة الحاجة نفسها, حيث فرق البعض بين الفقير والمسكين, إذ أشاروا إلى أن المسكين يمتلك قدرا أكبر من الضرورات المادية عن الفقير إلا أنه ما زال بحاجة إلى الصدقة, بينما استعملت كلمتا الفقير والمسكين في هذا العصر بنفس المعنى للدلالة على الشخص المستحق للصدقة.
أما بالنسبة للفئات الاجتماعية التي شملها هذا المفهوم في قاهرة العصر المملوكي; فإن المؤلف اعتمد بصورة أساسية على مؤرخي العصر, وعلى رأسهم المقريزي الذي أعطى تصورا واضحا للفئات الاجتماعية للمجتمع القاهري في عصره, حيث قسم المجتمع المصري إلى سبع فئات اجتماعية. إلا أن المؤلف استثنى الفئات الست الأولى من السلم الاجتماعي للمقريزي واعتبر فئة المحتاجين والشحاذين الذين يعتمدون على صدقات الناس, هي المشمولة حسب رأيه ضمن مفهموم الفقر. ولقد تعددت المصطلحات المستخدمة لدى كتاب العصر للإشارة إلى هذه الفئة (الغوغاء , أوباش العامة , الزعر , والحرافيش), إلا أنهم كانوا أكثر وضوحا عند إشارتهم للز عر والحرافيش بحيث يمكن تبين وجود هاتين الفئتين المستقلتين ضمن السلم الاجتماعي للعامة (في أسفل السلم الا جتماعي للعامة). الزعر - جمع أزعر, وهي أحد فئات العامة, وكانت عبارة عن أفراد من العامة مهلهلي التنظيم الا جتماعي, لا تعرف لهم أيدولوجية معينة, يتمركزون في المدينة في منطقتي الحسينية والصليبة, واشتهروا بممارسة رياضات المصارعة ولعبة تعرف بالشلق, واشتراكهم في الصراعات السياسية إلى جانب أحد الفرقاء من أمراء المماليك أو السلاطين, وقيامهم بأعمال السلب والنهب التي تصاحب مثل هذه الأحداث, كما استخدموا كجنود مشاة في الجيش المملوكي(الجيش المملوكي كان يتكون من فرق من الفرسان), إلى جانب ارتباطهم بمبادئ الفتوة وممارساتها. الحرافيش - حرفوش; هي فئة اجتماعية من أفراد قادرين على العمل كانت تعيش على الشحاذة والصدقات, أو من الصوفية الشحاذين كالقلندارية والحيدرية, واستخدموا في الأعمال الشاقة كعمال غير مهرة لنقل الأتربة, كما استخدموا كجنود مشاة, واشتركوا في الصراعات السياسية الداخلية التي كانت تحدث بين أمراء المماليك. ومع نهاية القرن 8 هـ/ 14م, أصبحت هذه الفئة أكثر تنظيما , حيث أشارت المصادر إلى وجود رئيس عرف بشيخ المشايخ أو رئيس الحرافيش, وكان مسؤولا أمام السلطان المملوكي عن تصرفات طائفته. كما عرفوا أيضا بتعاطي الحشيش.
أما الناحية الثالثة التي تطرق إليها المؤلف; هي ذلك النقاش الذي دار بين كبار المتصوفة حول الفقر (التخلي عن الممتلكات المادية) كمبدأ أساسي للوصول إلى منتهى الزهد والصلاح, حيث تناول المؤلف بالدراسة أفكار كبار المتصوفة مثل أبو ناصر السراج, الكلباذي, أبو طالب المكي, القشيري, الحجفري, وحجة الإسلام الغزالي من كبار العلماء (فيلسوف, فقيه, صوفي), أبو نجيب السهروردي, وأبو حفص السهروردي, وردود معارضيهم من الفقهاء أمثال أبن الجوزي, أبن تيمية, أبن قيم الجوزية. وقد ركز كبار المتصوفة على أهمية تخلي الصوفي أو الزاهد عن التعلق بالممتلكات المادية (التعلق بالدنيا) كشرط أساسي لنيله درجة الصلاح المطلوبة, وإن اختلفوا حول امتلاكه ضرورات الحياة من عدمها, بينما كانت حجة مناوئيهم من الفقهاء, أن الفاقة الشديدة قد تقود إلى أعمال غير صالحة, وأن الحكم على الفقير والغني لا يتأتى إلا من خلال عملهم الصالح, وليس من خلال التخلي عن ضرورات الحياة. ولقدت أفرزت الأفكار المتطرفة عن الفقر لدى بعض علماء التصوف فرق صوفية كالقلندارية (المؤسس جمال الدين السافي), والحيدرية (المؤسس قطب الدين حيدر), ذوات الأصول الفارسية, والتي ارتبطت بالفئات الدنيا لطبقة العامة والمهمشين (الحرافيش).
حيث اختار أفراد هذه الفرق الصوفية الفقر والعزوبة كمنهج حياة, واحترفوا الشحاذة كمهنة, وعاشت كذلك على إعانات المحسنين من كبار الأمراء, بالإضافة إلى تعاطيهم لمخدر الحشيش, واتهامهم من قبل معاصريهم بالتقصير في أداء الفرائض الدينية.
في خاتمة الفصل; يؤكد المؤلف على أنه من الصعب إيجاد فاصل حقيقي بين الفقر الحقيقي الناتج عن ظروف الحياة الاقتصادية للأفراد, وبين الفقر التطوعي المتأتي من الزهد لعدم وضوح ذلك الفاصل عند المؤرخين المعاصرين.
3 - الفصل الثالث: الشحاذة وتقديم الإحسان
(Begging and almsgiving)
تحدث المؤلف في هذا الفصل عن قضيتين أساسيتين; هما تقديم الإحسان من قبل الأفراد والدولة من جهة, وموقف المفكرين الصوفيين من الإحسان والشحاذة من جهة ثانية, وموقف الدولة المملوكية من الشحاذة من جهة ثالثة.
ثم ختم كلامه; بدراسة حول الزكاة, مستهلا بالتحدث عن ماهية الزكاة من الناحية الفقهية (كيفية حساب الزكاة - الأفراد المستحقين لها - أصناف المال الذي تجب فيه الزكاة), وزكاة الفطر, ثم استطرد بعد ذلك في النقاش بإيراد رأي علماء التصوف (أبو نصر السراج, أبو طالب المكي, الحجفري, أبو حامد الغزالي) في الزكاة, من ناحية ماهية الزكاة وكيفية إخراجها, ومستحقيها. ثم ختم الحديث في هذه الجزئية بالتركيز على الواقع التاريخي, من خلال تقديم أمثلة عن جمع الزكاة, وصرفها من قبل الدولتين الأيوبية والمملوكية.
أما الجزئية الثانية التي تطرق إليها المؤلف; فهي قضية الشحاذة وتقديم الإحسان في الأدب العربي, حيث تم الحديث عن آراء كبار علماء التصوف; أمثال أبو نصر السراج, أبو طالب المكي, الحجفري, أبو حامد الغزالي, أبو نجيب السهروردي, وأبو حفص السهروردي. وكذلك آراء أحد مؤلفي العصر المملوكي كتاج الدين السبكي الفقيه الشافعي في الشحاذة والشحاذين. ثم تناول المؤلف بالدراسة; ذلك الأدب العربي المتعلق بالشحاذين المحترفين المعروفين ببني ساسان في كتابات; بديع الزمان الهمذاني (المقامات), الجوبري (المختار في كشف الأسرار), ابن دانيال (مسرحيات خيال الظل), وسيف الدين الحلي.
في الجزئية الثالثة; تحدث المؤلف عن الواقع التاريخي لتقديم الإحسان, حيث أورد أمثلة; حول قيام أفراد نخبة المجتمع القاهري المملوكي, والسلاطين المماليك الذين اشتهروا بمنح صدقاتهم سواء (عملات نقدية , غذاء , غسل وتكفين الموتى); لرجال الدين وطلاب العلوم الشرعية , والصوفية , والفقراء , والمساجين , و كذلك للمجاذيب (جمع مجذوب وهو الشخص المعتوه المعتقد بركته). وذلك في عدة مناسبات وأوقات; كعاشوراء, المولد النبوي, شهر رمضان, عيد الفطر, عيد الأضحى, عيد النوروز, احتفالات الختان, والا حتفالات بفتح مؤسسات الوقف (المدارس, الخوانق, الجوامع), أوقات الأوبئة (الطواعين), عند القيام بالحملات الحربية, وعند الإصابة بالأمراض أو عند الشفاء منها.
أما الجزئية الرابعة; فركزت على الواقع التاريخي لموقف الدولة من الشحاذة, ودورها في تقديم الإحسان ومعالجة الفقر. فقد قامت الدولة المملوكية بجهود تنظيم الشحاذة; من خلال القبول بوجود رئيس للحرافيش مسؤول أمام السلطان المملوكي عن تصرفات أفراد مجموعته, أو من خلال بعض الإجراءات مثل ترحيل المرضى المزمنين وأصحاب العاهات من الشحاذين من القاهرة, أو منع المحتسب الشحاذين من الشحاذة في الأماكن العامة خاصة في المساجد أو بالقرب منها, أو إصدار أوامر مشددة تمنع الأصحاء الأقوياء من الشحاذة. إلا أن هذه التدابير لم تفلح في منع استمرار وجود الشحاذة أو انتشارها.
أما الكيفية الثانية لتدخل الدولة; فكان عن طريق رعاية أموال الأيتام من الفقراء والأغنياء حتى وصولهم إلى سن الرشد من خلال مؤسسة (مودع الحكم) التي يديرها قاضي القضاة الشافعي. وقد ظلت هذه المؤسسة فاعلة إلى نهاية القرن 8 هـ / 14م حيث تدهورت فعاليتها; لسوء أمانة القضاة من جهة, والتعدي على أموالها من قبل أمراء المماليك من جهة أخرى.
أما الكيفية الثالثة لتدخل الدولة; فتتمثل في اطلاق سراح المسجونين خاصة المدينين وتسوية ديونهم, وقد أورد المؤلف أمثلة كثيرة بهذا الخصوص.
يخلص المؤلف في نهاية نقاشه; إلى أن الصورة العامة للإحسان في القاهرة المملوكية كان في الغالب عمل فردي, وأن الدولة لم تستطع التحكم في ظاهرة الشحاذة, ولم تكن لديها سياسة اجتماعية محددة للإحسان.
4 - الفصل الرابع: الوقف waqf
ركز المؤلف نقاشه في هذا الفصل حول عدد من القضايا; حول ماهية الوقف, وتطور مؤسسة الوقف في مصر خلال العهدين الأيوبي والمملوكي, والخدمات الاجتماعية التي قدمتها مؤسسات الأوقاف في مدينة القاهرة خلال العهدين الأيوبي والمملوكي, والخصائص العامة للخدمات الاجتماعية المقدمة في العصر المملوكي.
الجزئية الأولى; تحدثت عن ماهية الوقف بشكل عام حسب الفقه الإسلامي, وتطور مؤسسة الوقف وإدارته في العصر المملوكي بشكل عام وموجز.
أما الجزئية الثانية فتناولت على نطاق واسع الخدمات الاجتماعية التي تقدمها مؤسسات الوقف; كالرعاية الصحية, التعليم, الإسكان, تقديم الغذاء والماء, تكفين الموتى ودفنهم.بالنسبة للرعاية الصحية; فقد بدأ المؤلف كلامه بإعطاء نبذة عن التطور التاريخي لنشأة المستشفيات في مصر منذ بداية العهد الأموي وحتى العهد الأيوبي (الأموي, العباسي, الطولوني, الإخشيدي, الفاطمي, الأيوبي), ثم ركز بشكل واسع وعميق نقاشه حول الرعاية الصحية في العهد المملوكي وبالتحديد حول الخدمات الصحية التي يقدمها البيمارستان المنصوري
(المعروف في العصور الحديثة بالقصر العيني); حيث فصل الحديث عنه: أسباب إنشائه, موارده المالية, إدارته, أطباءه وموظفيه, وطبيعة العمل داخل هذا المستشفى.
أما الخدمة الثانية التي وفرتها مؤسسات الوقف في القاهرة; فهي التعليم الابتدائي حيث تركز حديث المؤلف حول التعليم الابتدائي المتمثل في المكتب- جمع مكاتب; نوعية تلاميذه, طبيعة عملية التعلم فيه, الخدمات الأخرى التي تقدم لتلاميذه من طعام وكسوة.
أما الخدمة الثالثة التي اعتنت بها مؤسسات الوقف فهي الإسكان; حيث تناول المؤلف قضية الإسكان داخل مؤسسة الرباط التي وفرت المأوى للنساء المطلقات والأرامل.
بالنسبة للخدمة الرابعة التي قدمتها مؤسسات الوقف; فهي توفير الغذاء لسكان الخوانق والرباطات وطلاب المدارس بشكل شبه منتظم, بالإضافة إلى توفير بعض أنواع الطعام; مثل الخبز واللحم أو وجبة كاملة في أيام معينة من الأسبوع (الجمعة), وفي المناسبات الدينية (رمضان, عيد الفطر, عيد الأضحى), للفقراء ونزلاء السجون من الأحرار, وأحيانا من العبيد المعتقين من غير المسجونين, كما تكفلت الأسبلة - جمع سبيل, بتوفير خدمة شرب الماء المجانية في أنحاء المدينة.
أما الخدمة الاجتماعية الخامسة التي تكفلت بها مؤسسات الوقف; فهي تكفين ودفن الغرباء من المسلمين من سكان المدينة, حيث وفرت موارد الأوقاف مغاسل وموظفين للقيام بعملية التكفين والدفن.
أما الجزئية الثالثة التي تطرق إليها المؤلف هي العلاقة بين الإحسان والموت; حيث أشار إلى وجود وانتشار ظاهرة بناء الأضرحة داخل أو بالقرب من مؤسسات الوقف, وتقديم الإحسان في الأضرحة (ضريح الإمام الشافعي والإمام الليث بن سعد والسيدة نفيسة, وأضرحة السلاطين المماليك وأمرائهم), وأن القصد من ذلك طلب الترحم والغفران للميت من قبل متلقي الإحسان, وارتباط ذلك كله بمفهوم الصدقة الجارية.
5 - مستويات المعيشة Standards of living
ركز المؤلف في نقاشه حول مستوى معيشة الطبقات الفقيرة في المجتمع القاهري من خلال; دراسة السكن, الملابس, الطعام, الأجور والإنفاق على المعيشة.
تحدث المؤلف في الجزئية الأولى حول طبيعة سكن الفقراء في المدينة; من خلال تناول نوعين من أنواع المساكن هما الربع والحوش, معتمدا بصورة أساسية على الدراسات الأثرية, كما أشار إلى أن أعدادا كبيرة من الفقراء كانت بدون مأوى حقيقي داخل أسوار المدينة أو خارجها.
أما الجزئية الثانية فقد ركزت على إعطاء أمثلة عن ملابس الفقراء ذكورا وإناثا ; من خلال الا عتماد بصورة أساسية على المعلومات الموجودة عن الملابس المقدمة من مؤسسات الوقف للأطفال الذكور الأيتام والفقراء الدارسين في المكاتب, والمستخرجة من وثائق الأوقاف كنموذج لملابس الفقراء الذكور في مدينة القاهرة. بينما اعتمد على وثائق الحرم القدسي; لإعطاء فكرة تقريبية عن ملابس نساء الفقراء, نظرا لغياب مثل هذه البيانات في الوثائق المكتشفة والخاصة بالمجتمع القاهري.
أما الجزئية الثالثة فقد اهتمت بتناول مسألة الغذاء عند الطبقات الفقيرة; حيث أشار المؤلف إلى أن طعام الفقراء القاهريين كان يتكون بصورة أساسية من الخبز المنتج من القمح (في فترة الرخاء), أو القمح المخلوط بالشعير أو غيره من الحبوب الأقل قيمة (في فترة الغلاء أو عند النقص في المعروض من القمح), بالإضافة إلى الخضروات والسردين, بينما اقتصر تناولهم للحوم في مناسبات الأعياد, إلا أنهم كانوا يتعرضون للمجاعات في أوقات الغلاء, كما أنهم كانوا أكثر عرضة من غيرهم لأخطار الأوبئة; نظرا لعدم توفر العناصر الكاملة المكونة للغذاء في طعامهم من جهة, وسوء حالة المسكن من جهة ثانية, ولعدم توفر النظافة والصرف الصحي المناسب من جهة ثالثة.
أما الجزئية الأخيرة; فعالجت قضية أجور ونفقات المعيشة للفئة الدنيا من المستخدمين في مؤسسات الأوقاف; كالفراشين, البوابين, القيمين, والخدام, من خلال مقارنة بيانات أجورهم الشهرية المبينة في وثائق الوقف مع المعلومات المتوافرة عن أسعار بعض السلع الغذائية خاصة القمح في المصادر التاريخية, ومدى القدرة الشرائية لنقود هؤلاء المستخدمين لتلك السلع في أوقات مختلفة من العصر المملوكي, مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير الأوبئة وتذبذب أسعار العملات المستخدمة.
6 - نقص المعروض من الطعام والمجاعات
(Food shortages and famines)
تناول المؤلف في هذا الفصل; عدة قضايا تتعلق بنقص المعروض من الغذاء في أسواق القاهرة, والمجاعات التي اجتاحت المدينة خلال العصر المملوكي, من خلال دراسة العلاقة بين الدولة المملوكية (السلطان, الأمراء) المتحكمة في نصيب الأسد من الحصة الإنتاجية للغذاء في مصر والسوق من ناحية, ومن خلال البحث في ظاهرة المجاعات عن طريق دراسة كل مجاعة على حدة من جهة أخرى. كذلك قام المؤلف بتقييم عام للوسائل التي اتخذتها الدولة المملوكية لحل أزمات المجاعات, والوسائل التي اتبعها الفقراء للخروج من هذه الأزمات.
في الجزئية الأولى تم التركيز على أن نظام الإقطاع سمح بتركز كميات هائلة من المواد الغذائية الأساسية (القمح) في يد السلطان المملوكي وكبار الأمراء, حيث يحصلون عليها نتيجة ضرائب عينية (الخراج) تفرض على الأراضي الزراعية المنتجة لمحصول القمح. والنقطة المركزية هنا حسب رأي المؤلف; أن جزءا لا بأس به من هذه الحصة الكبيرة من القمح لا تطرح في السوق, لأسباب منها أن جزءا كبيرا منها يستهلك من قبل السلطان المملوكي وحاشيته ومماليكه وموظفي الأجهزة المالية والإدارية والقضائية التابعة للدولة والأمراء ومماليكهم وحواشيهم وغيرهم من الفرسان المقطعين, بالإضافة إلى تخزينه لأوقات الأزمات, أو من خلال تحويله إلى نقد من خلال بيعه في السوق بسعر مربح. كل ذلك عطل سهولة انسياب عرض هذه السلعة في السوق, وجعل إمكانية نقصها أو غلاء أسعارها أمرا قريب التحقق في أسواق المواد الغذائية في مدينة القاهرة.
أما الجزئية الثانية; فهي دراسة مفصلة عن كل أزمة من أزمات المجاعة على حدة منذ عهد السلطان بيبرس البندقداري وحتى عهد السلطان قايتباي, بين فيها المؤلف تفاصيل أحداث المجاعة منذ بدايتها وحتى نهايتها مستعرضا أسبابها; التي تفاوتت بين انخفاض مستوى فيضان النيل, التضخم النقدي, الطواعين وعدم الاستقرار السياسي, والإجراءات التي اتخذتها الدولة المملوكية لحلها والتخفيف من معانة الفقراء, وكذلك النتائج التي ترتبت عليها كل مجاعة في أوساط الفقراء.
في الجزئية الثالثة; ركز المؤلف حديثه عن الوسائل التي اتخذتها الدولة المملوكية لحل أزمات المجاعات, من خلال قيام سلاطين المماليك ببيع جزء من مخزونهم بأسعار أقل من مستوى السوق لخفض سعر السلعة, أو إطعام الفقراء خبز القمح بصورة مباشرة, أو من خلال فرض سعر موحد للقمح في السوق أو إجبار الأمراء على فتح مخازن غلالهم للبيع بالسعر المحدد, أو إجبار الأمراء على المساهمة في إطعام الفقراء, أو من خلال ا ستيراد كميات كبيرة من القمح لزيادة حجم المعروض في السوق وبالتالي خفض السعلة.
أما الجزئية الأخيرة; فتناولت الوسائل التي اتخذها الفقراء لحل أزمة المجاعات والتخفيف عن معاناتهم من أثارها, من خلال استخدام المطاحن اليدوية لطحن ما لديهم من القمح لتخفيف التكلفة, أو استعمال الشعير والدخن والفول وخلطها مع القمح لصنع الخبز, أو الاعتماد على الخضروات كالقلقاس, أو أكل جثث الحيوانات كالكلاب والقطط, أو البحث في القمامة, أو الهجرة من المدينة إلى الريف أو الهجرة إلى خارج مصر. كذلك قيامهم بالتوسل طلبا للإحسان من الدولة, أو قيامهم بتصرفات عنيفة عن طريق نهب المخابز أو صوامع الغلال.
نقد الكتاب:
تنبع أهمية هذه الدراسة; من وجوه عديدة; فهي في الأصل دراسة أكاديمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه, كما أنها أول دراسة أكاديمية عميقة في هذا المجال مما أعطاها خاصية الحداثة, ثم شموليتها في معالجة ظاهرة الفقر والعمل الخيري من الناحيتين الفكرية (الفقه والتصوف) والواقع التاريخي, كذلك الاستخدام المكثف لوثائق الأوقاف في الدراسة, بحيث أعطت نتائج عالية المصداقية. هذا بالإضافة إلى المقارنة الرصينة التي قام بها المؤلف بين ظاهرة الفقر والعمل الخيري في القاهرة المملوكية ومثيلاتها في غرب أوروبا والصين.
إلا أن هناك بعض الملاحظات البسيطة والتساؤلات; حول مطابقة طروحات الفكر الصوفي مع الواقع التاريخي, وحول ممارسات جماعات التصوف ووضع مؤسسات التصوف في مصر المملوكية. على أنه مما لا شك فيه أن دراسة الفكر الصوفي والفقهي الخاص بالفقر والعمل الخيري مهم لوحده من الناحية العلمية الأكاديمية البحتة, إلا أن إقحامه لدراسة الواقع التاريخي هي في أقرب التصورات الممكنة من قبيل التعميم وليس ماسة بصورة مباشرة بالظاهرة المدروسة. كذلك يجب التذكير بوجود كتاب معاصر أغفله المؤلف تطرق إلى مسألة الفقر, هو كتاب (الدلجي, أحمد بن علي (ت.838 هـ / 1435 م), الفلاكة والمفلوكون, القاهرة, 1322 هـ/). كما أني أستميح العذر من المؤلف; إذ أني لم أتبين سبب ترتيبه لتسلسل فصول الكتاب بهذه الطريقة التي قد تربك تفكير بعض القراء, حيث تمت مناقشة نظرة العلماء المسلمين لمسألة الفقر والفئات الاجتماعية الفقيرة في الفصل الأول, بينما خصص المؤلف الفصل الثاني لمعالجة قضيتي الشحاذة والإحسان تاركا مناقشة مستويات المعيشة للفصل الخامس, ونقص المعروض من الطعام والمجاعات للفصل السادس بينما احتل الوقف الفصل الرابع. وأستميحه عذرا مرة أخرى فقد أكون مخطئا في تصوري; لكن أليس من المنطقي أن يناقش الإطار الفكري للفقر والشحاذة والإحسان في فصل أو فصلين مستقلين, وأن تخصص فصول مستقلة لمناقشة الواقع التاريخي, لما بين الفكر المجرد والواقع من تباين في أغلب الأحيان خاصة في العصور الوسطى التي غلبت على الناس فيها الأمية. أو ليس أجدى من الناحية المنطقية; التدرج في الطرح من الفكرة إلى الواقع, من مستويات المعيشة إلى نقص الطعام إلى المجاعات, ثم تجاوب المجتمع كدولة وأفراد لمواجهة تلك المشاكل عن طريق الإحسان أو الوقف أو الحلول الطارئة, ووسائل الفقراء لمواجهة الفقر والمجاعات عن طريق الشحاذة أو التماس الإحسان أو غيرها من الطرق.
في الختام أود التنويه بهذه الدراسة; فهي أفضل دراسة أكاديمية كتبت عن الفقر والعمل الخيري في الدولة المملوكية, بل في التاريخ الإسلامي الوسيط حتى الآن. وهذا الكتاب جدير بأن ينسج على منواله دراسات أكاديمية أخرى تعالج مسألة الفقر في العصور الإسلامية الوسيطة في بيئات جغرافية أخرى, وأن تستكمل الجوانب الهامشية التي لم يرغب المؤلف التركيز عليها في هذه الدراسة ببحوث جديدة.
----------------------
* كتاب <<الفقر والعمل الخيري Charity>> في التاريخ الإسلامي الوسيط : مصر المملوكية 1250 م - 1517م
POVERTY AND CHARITY IN MEDIEVAL ISLAM: MAMLUK EGYPT, 1250-1517
لآدم صبره ADAM SABRA
دار النشر: جامعة كمبردج CAMBRIDGE UNIVERSITY PRESS
تاريخ النشر: 2000 م