عبدالله بافقيه
03-08-2007, 12:12 AM
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الدنيا مزرعة الآخرة وهي دار التكليف والعمل، ومن فضل الله ومنته أن أعمال المسلم لا تنقطع بموته وخروجه من الدنيا بل هناك أعمالاً تجري حسناتها له بعد وفاته. ولقد علم سلف الأمة هذا الخير فسابقوا إليه وتنافسوا فيه. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في بداية فجر الإسلام يعانون من قلة ذات اليد وضيق العيش. ولمّا فتح الله عزّ وجلّ لهم خزائن الأرض وأتتهم الأموال كان همهم منصرفاً إلى كيفية استثمارها في آخرتهم. فجهز كثير منهم الجيوش، وأكثروا من الصدقات والعطف على الفقراء، وقضاء حوائج الأيتام، والقيام على الأرامل، وتطلعت أنفسهم لعمل يجري به الثواب بعد الموت امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا مات ابن آدم انقطع عملها إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له » [رواه مسلم].
وقد شرع الله تبارك وتعالى الوقف وندب إليه وجعله قربة من القرب التي يتقرب بها إليه؛ ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته، بعد موته، علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، ومسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته » [رواه ابن ماجة وحسنه الألباني].
فكان الوقف من أعمالهم التي سارعوا إليها فقد كان لأبي بكر رضي الله عنه دور بمكة فأوقفها على أولاده، وعمر رضي الله عنه أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره عليها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه. فقال صلى الله عليه وسلم: « إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها » . (فتصدق بها عمر رضي الله عنه في الفقراء، وفي ذي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف...) [رواه مسلم]. وفي خلافته -رضي الله عنه- أعلن صدقته ودعا نفراً من المهاجرين والأنصار فأخبرهم بذلك وأشهدهم عليه فانتشر خبرها. وتسابق الصحابة في وقف كثير من أموالهم وحبسها في أوجه الخير والبر.
قال جابر رضي الله عنه: "فما أعلم أحداً كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله صدقةً مؤبدةً لا تُشترى أبداً، ولا توهب، ولا تورث".
وقد أوقف عثمان بن عفان- رضي الله عنه- أملاكه بخيبر على أولاده، كما سبَّل بئر رومة لوجه الله تعالى. وأوقف علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- عيوناً من الماء في ينبع. كما أوقف ضيعتين تسمى إحداهما عين أبي نيزر، والثانية تسمى البغيبة، وجاء في وقفها: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين، تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر، والبغيبة، على فقراء المدينة وابن السبيل ليقي الله بهما وجهه حر النار يوم القيامة، لا تباعا ولا تورثا، حتى يرث الله الأرض وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن أو الحسين فهما طلق لهما وليس لأحد غيرهما..".
وقد أوقفت أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما- دارها صدقة حبس لا توهب ولا تورث.
وتصدقت أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان- رضي الله عنها- بأرضها التي بالغابة صدقة على مواليها وعلى أعقاب أعقابها حبساً لا تباع ولا توهب ولا تورث.
وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري في المدينة نخلاً.
وكان أحب أمواله إليه بيرحا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله علبيه وسلم يدخلها ليشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله يقول: { لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا ممَّا تحبون } [آل عمران: 92]. وإن أحب اموالي إلي بيرحا، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بخٍ ذلك مالٌ رابح، ذلك مالٌ رابح. وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين » ، فقال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
وقد احتبس خالد بن الوليد- رضي الله عنه- أدراعه وأعتاده في سبيل الله.
والوقف: هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهو صدقة جارية يقفها المرء ويُسبِّلها في حياته لوجوه الخير والبر، فيستمر أجرها جارياً ما دامت باقية. وفي هذا عظيم المنفعة للواقف بإجراء حسنات له في حياته وبعد مماته، لما في ذلك من فضائل الوقف النافعة التي تعين على الخير والأعمال الصالحة، وتعين أهل العلم والعبادة، وتسد حاجات الفقراء والمساكين، والمرضى والمعوزين، وترفع راية الدين بنشر العلم النافع، وبناء المدارس ودور الأيتام.
ويجوز وقف كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، سواء كان ثابتاً كالعقار، أو منقولاً كالسلاح، والثياب والسيوف.
ويصح وقف الحلي للّبس والإعارة، فعن نافع قال: "ابتاعت حفصة حلياً بعشرين ألفاً فحبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته".
وأفضل أنواع الصدقات أنفعها وأدومها، ولا يتأتى هذا إلا إذا كانت تلك الصدقة مضمونة البقاء، تقوم على أساس، وتنشأ من أجل هدف محدد، وترمى إلى غاية شرعية خيرة. فأغراض الوقف ليست قاصرة على الفقراء والمساكين وحدهم، أو دور العبادة والعناية بها فحسب، بل تتعدَّى ذلك إلى أغراض أخرى مثل: دور العلم، والمعاهد الشرعية، وطلبة العلوم الإسلامية القائمين على شريعة الله. والمستشفيات، والمجالات كثيرة متعددة، وقد أوقف صلاح الدين الأيوبي بلده بلبيس لفك أسرى المسلمين من أيدي الأعداء.
أخي المسلم:
تتنوع حاجات الناس العامة للوقف بحسب المكان والزمان، وأول وقف أوقف في الإسلام هو مسجد قباء، قال ابن كثير رحمه الله: "لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه، ثم انتقل إلى منازل بني النجار من الأنصار".
فإن الدنيا مزرعة الآخرة وهي دار التكليف والعمل، ومن فضل الله ومنته أن أعمال المسلم لا تنقطع بموته وخروجه من الدنيا بل هناك أعمالاً تجري حسناتها له بعد وفاته. ولقد علم سلف الأمة هذا الخير فسابقوا إليه وتنافسوا فيه. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في بداية فجر الإسلام يعانون من قلة ذات اليد وضيق العيش. ولمّا فتح الله عزّ وجلّ لهم خزائن الأرض وأتتهم الأموال كان همهم منصرفاً إلى كيفية استثمارها في آخرتهم. فجهز كثير منهم الجيوش، وأكثروا من الصدقات والعطف على الفقراء، وقضاء حوائج الأيتام، والقيام على الأرامل، وتطلعت أنفسهم لعمل يجري به الثواب بعد الموت امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا مات ابن آدم انقطع عملها إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له » [رواه مسلم].
وقد شرع الله تبارك وتعالى الوقف وندب إليه وجعله قربة من القرب التي يتقرب بها إليه؛ ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته، بعد موته، علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، ومسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته » [رواه ابن ماجة وحسنه الألباني].
فكان الوقف من أعمالهم التي سارعوا إليها فقد كان لأبي بكر رضي الله عنه دور بمكة فأوقفها على أولاده، وعمر رضي الله عنه أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره عليها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه. فقال صلى الله عليه وسلم: « إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها » . (فتصدق بها عمر رضي الله عنه في الفقراء، وفي ذي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف...) [رواه مسلم]. وفي خلافته -رضي الله عنه- أعلن صدقته ودعا نفراً من المهاجرين والأنصار فأخبرهم بذلك وأشهدهم عليه فانتشر خبرها. وتسابق الصحابة في وقف كثير من أموالهم وحبسها في أوجه الخير والبر.
قال جابر رضي الله عنه: "فما أعلم أحداً كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله صدقةً مؤبدةً لا تُشترى أبداً، ولا توهب، ولا تورث".
وقد أوقف عثمان بن عفان- رضي الله عنه- أملاكه بخيبر على أولاده، كما سبَّل بئر رومة لوجه الله تعالى. وأوقف علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- عيوناً من الماء في ينبع. كما أوقف ضيعتين تسمى إحداهما عين أبي نيزر، والثانية تسمى البغيبة، وجاء في وقفها: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين، تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر، والبغيبة، على فقراء المدينة وابن السبيل ليقي الله بهما وجهه حر النار يوم القيامة، لا تباعا ولا تورثا، حتى يرث الله الأرض وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن أو الحسين فهما طلق لهما وليس لأحد غيرهما..".
وقد أوقفت أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما- دارها صدقة حبس لا توهب ولا تورث.
وتصدقت أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان- رضي الله عنها- بأرضها التي بالغابة صدقة على مواليها وعلى أعقاب أعقابها حبساً لا تباع ولا توهب ولا تورث.
وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري في المدينة نخلاً.
وكان أحب أمواله إليه بيرحا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله علبيه وسلم يدخلها ليشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله يقول: { لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا ممَّا تحبون } [آل عمران: 92]. وإن أحب اموالي إلي بيرحا، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بخٍ ذلك مالٌ رابح، ذلك مالٌ رابح. وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين » ، فقال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
وقد احتبس خالد بن الوليد- رضي الله عنه- أدراعه وأعتاده في سبيل الله.
والوقف: هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهو صدقة جارية يقفها المرء ويُسبِّلها في حياته لوجوه الخير والبر، فيستمر أجرها جارياً ما دامت باقية. وفي هذا عظيم المنفعة للواقف بإجراء حسنات له في حياته وبعد مماته، لما في ذلك من فضائل الوقف النافعة التي تعين على الخير والأعمال الصالحة، وتعين أهل العلم والعبادة، وتسد حاجات الفقراء والمساكين، والمرضى والمعوزين، وترفع راية الدين بنشر العلم النافع، وبناء المدارس ودور الأيتام.
ويجوز وقف كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، سواء كان ثابتاً كالعقار، أو منقولاً كالسلاح، والثياب والسيوف.
ويصح وقف الحلي للّبس والإعارة، فعن نافع قال: "ابتاعت حفصة حلياً بعشرين ألفاً فحبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته".
وأفضل أنواع الصدقات أنفعها وأدومها، ولا يتأتى هذا إلا إذا كانت تلك الصدقة مضمونة البقاء، تقوم على أساس، وتنشأ من أجل هدف محدد، وترمى إلى غاية شرعية خيرة. فأغراض الوقف ليست قاصرة على الفقراء والمساكين وحدهم، أو دور العبادة والعناية بها فحسب، بل تتعدَّى ذلك إلى أغراض أخرى مثل: دور العلم، والمعاهد الشرعية، وطلبة العلوم الإسلامية القائمين على شريعة الله. والمستشفيات، والمجالات كثيرة متعددة، وقد أوقف صلاح الدين الأيوبي بلده بلبيس لفك أسرى المسلمين من أيدي الأعداء.
أخي المسلم:
تتنوع حاجات الناس العامة للوقف بحسب المكان والزمان، وأول وقف أوقف في الإسلام هو مسجد قباء، قال ابن كثير رحمه الله: "لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه، ثم انتقل إلى منازل بني النجار من الأنصار".